غزوة بدر: ننصر الله كما يريد لا كما نريد

حينما يقرأ المؤمن القرآن بتدبر تمر عليه آيات وكأنه يقرأها لأول مرة، ويستنبط منها من المعاني والعظات ما لم يدركه من قبل، وربما لم يقرأها في أي تفسير. فالقرآن ثابت في لفظه وفي معانيه اللغوية العربية، وأحكامه القطعية الدلالية وما فسره رسول الله صلى عليه وسلم في الحديث صحيح وما أجمع عليه العلماء. غير أن معانيه، في إطار ذلك تتجدد، وفق النوازل المتجددة وأحوال الناس المتتالية عبر الأزمنة والأمكنة، بل يجد كل فرد فيه ما يؤنسه ويقوده ويوجهه حسب كل مرحلة من مراحل حياته.

وكذلك هي السيرة النبوية، ليست حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم قصصا جامدة تُتلى وتحفظ للبركة أو المتعة، أو تفهم فهما تقليديا جامدا بل هي منهاج للحياة، ومفاتيح لفتح الأبواب المستعصية، و قصص نموذجية للقياس عليها والتأسي بها في مختلف مناحي الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك لما قال الله تعالى: (( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)الأحزاب)). وقوله : (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ .. 157 الأعراف)). والأمر بالتأسي برسول الله موجه للمسلمين إلى قيام الساعة، فلا شك عندئذ أن كل الأمم والأفراد، عبر الأزمنة والأمكنة، سينتفعون من حياته عليه الصلاة والسلام في حياتهم كأفراد وجماعات، في القضايا الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية، والسياسية، والدولية وغيرها.

لقد درستُ السيرة النبوية في وقت مبكر من حياتي، ودرَّستُها مرتين في الثمانينات في مسجد الجامعة بسطيف وفي بعض مساجد بلدية المسيلة، ومع ذلك لا تتوقف المعاني الجديدة التي تخطر ببالي كلما تناولت نصا من نصوصها حسب الأحوال والأوضاع التي أمر بها، وكأنني أطلع عليه لأول مرة.

فلو أراد مُطّلع على السيرة النبوية، منخرطٌ في الكفاح على منوال كفاح رسول الله أن يكتب كتابه في السيرة النبوية لأخرج للمسلمين، ربما، نسخة جديدة فيها من المعاني ما لم يتناولها غيره،
فلو تحدثنا عن غزوة بدر فقط لأمكن كتابة كتاب خاص بها لما فيها من عبر وحكم وملح وعظات لا تتوقف.

وقد رأيت أن أتطرق، بمناسبة ذكرى غزوة بدر هذه السنة إلى جانب واحد من محطاتها المفيدة المشوقة، وهي المحطة التي وصفها الله تعالى في كتابه العزيز في سورة الانفال في قوله تعالى: ((كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)).

تتحدث هذه الآية عن وضعية صعبة ومعقدة وخطيرة وقع فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم، حيث أن رسول الله حاول اعتراض قافلة قريش وهي متجهة إلى الشام ليسترجع المسلمون شيئا من أموالهم التي صادرها المشركون في مكة غير أنه حينما وصل مكانا يسمى (ذا العشيرة) وجد العير قد فاتته منذ أيام، وبقي يترقب رجوعها وهو في المدينة إلى أن علم بأنها في طريقها من الشام إلى مكة محملة بأموال وبضائع كثيرة.
لم يدع رسول الله إلى النفير العام وجعل الخروج معه في هذه المهمة على الخيار، ولم ينكر على من لم يخرجوا. ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لملاقاته أرسل رجلا معه اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري ليسرع إلى قريش فيخبرهم بأن أموالهم في خطر وغيّر وجهة العير نحو الساحل البحري. أعدت قريش العدة وخرجت بجل بطونها وزعمائها يقودهم أبو جهل ومعه نحو ألف وثلاثمائة مقاتل، ومائة فارس، وستمائة درع وجمال كثيرة. وعندما تأكد أبو سفيان من نجاة القافلة أرسل إلى قريش يدعوهم إلى الرجوع فلم يجيبوه وعزموا على القتال حيث أدركوا أن تهديد قوافلهم يمثل خطرا على اقتصادهم فلا بد من استئصال شأفة المسلمين حتى لا يقدرون على ذلك في مقدم الأيام.

حين علم الصحابة بقدوم جيش عظيم إليهم خارج ديارهم، اشتد الأمر على بعضهم وخافوا هذا اللقاء الدامي الذي لم يكن في الحسبان، فهم لم يخرجوا بسلاح الحرب إذ لم تكن معهم إلا سيفوهم التي تكفي لاعتراض عير قريش فحسب، وكان عددهم بنحو ثلث عدد جيش الكفار في حدود بضعة عشر وثلاثمائة رجل، ولم يكن معهم إلا فارسان. فأنزل الله الآيات السابقة ليعالج الموقف ويؤكد حقيقة لزم على المسلمين أن يتمثلوها إلى يوم الدين وهي أن الله تعالى هو من يقدر كيف تكون تفاصيل مناصرة الدين، وما على المسلمين إلا تسديد نواياهم، وإعداد ما استطاعوا من العدة، وأن يتأهبوا دوما للجهاد والكفاح ولو في أسوء الظروف.

لم يكن في بيعة العقبة الثانية ما يلزم الأنصار بالقتال خارج ديارهم إذ عاهدوا رسول الله على نصرته في يثرب، فتقصّدهم رسول الله في المشورة حيث لم يكتف بظهور إصرار المهاجرين على القتال حتى تكلم سعد ابن معاذ حامل لواء الأنصار في الغزوة قائلا:
((إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نُخِيضَها البحرَ لأخَضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى بَرْكِ الغِمَاد لفعلنا – رواه مسلم)) فعزم نبي الله صلى الله عليه وسلم عندئذ على لقاء العدو قائلا: «سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم)).

إن الآيات التي نزلت في هذا الشأن لم تكن تقصد قادة وأبطال المهاجرين والأنصار، ولكن كانت موجهة إلى صنف من المسلمين موجودين في كل زمن، لا يرغبون في العمل لصالح دينهم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكفاح من أجل أوطانهم وقضاياهم إلا إذا لم يكن ثمة خطر، ويكبر عليهم دوما الفرق في القوة بينهم وبين أعدائهم أو خصومهم، وبعضهم يُكثر الإرجاف والجدال في صفوف المؤمنين العازمين على الكفاح في الظروف الصعبة، باتهامهم بالتهور تارة، وقلة الحكمة تارة. وإن هي في حقيقة الأمر إلا نفوسهم الضعيفة وعزائمهم المنكسرة وهممهم الهابطة، أو حرصهم على الدنيا بالمحافظة على مكاسبهم الشخصية وطموحاتهم المَخفية، بالرغم من أن المعارك التي يخوضونها في هذا الزمن سلمية ضمن منهج سلمي وسطي لا خطر داهم عليهم في أرواحهم وأموالهم كما كان حال الصحابة الذين رهبوا القتال فنزلت فيهم الآيات تلومهم وتصحح معتقدهم وتقوّم نفوسهم. ولو نظر هؤلاء الذين يشترطون على الله في ظروف المواجهة إلى سِيَر الكبار والعظماء لرأوا بأن حياتهم كلها محاطة بالمخاطر وأنهم لم يصنعوا التاريخ إلا بخوض غمار المصاعب والأهوال، وما جُعلت الجنة إلا محفوفة بالمكاره.

لا شك أن المسلمين مطالبون بأن يسألوا الله العافية وأن لا يتمنوا لقاء الكريهة ولكنه سبحانه طلب منهم، في نفس الوقت، أن يثبتوا إذا اختار لهم غير ما يريدون في حياتهم النضالية، فليس من التوكل على الله وليس من توقيره والحياء منه أن يشترط المؤمن على الله ظروفا مخصوصة لكي يقوم بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا بيّن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قائلا: (( لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا )).
ومن صبر وثبت فإن وعد الله بالنصر قائم إلى يوم القيامة، النصر في الدنيا والفوز يوم القيامة. يقول الله تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) غافر)).

د. عبد الرزاق مقري