رمضان: نغير العادات لنثبت على الطاعات

إن رمضان هو شهر الخير والبركات، من كان قبله مجدّا وكانت الطاعات والعبادات في حياته عادات يزداد فيه فضلا حتى يكون عمره كله في البر والتقى والأعمال الصالحات، ومن أقبل عليه رمضان وكان من قبل مقصرا، فليغتنم مِنحَ الشهر الكريم وأجواءَه، لكي يغير عاداته فتتغير بعده حياته.


إنما حياة الإنسان عاداته، فمن تعود الخير سهُل عليه فعله، ومن تعود الشر غلب الرّان على قلبه، وبات اقتراف الآثام عنوان حياته. ومن ألف العجز والكسل صعُب عليه النهوض للمعالي، ولو لم يكن من الآثمين، واستغرق أجله في التوافه والاهتمامات الدونية، والرغبات الصغيرة، ويظل الارتفاع بهمته كمن يصعد الجبال الشاهقة، فلا يحظى بمكانة بين السابقين السابقين.
ولا يكون الإنسان هكذا أو هكذا أو هكذا إلا بما تعوّده وألف عمله.
لقد جعل الله شهر رمضان فرصة لتغيير العادات، فهو دورة تربوية سنوية دبّرها المدبر سبحانه لنصحح مسارنا ونغير حالنا، وذلك وفق منح ربانية وتشريعات إلهية منها الذي يلي:
١ – تصفيد الشياطين وترك المؤمن بينه وبين نفسه الأمارة بالسوء فحسب حتى يسهل عليه التحكم فيها، فلا تعينها عليه وسوسة الشيطان. فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) رواه البخاري (3277) ، ومسلم (1079).
وفي رواية لمسلم: ( وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)
٢ – تحديد الهدف من الصيام، وهو تقوى الله، بما يجعل الصائم يحاسب نفسه أثناء ليله ونهاره هل هو يقترب نحو الهدف أم لا، إذ قال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( البقرة 183))). والتقوى حالة قلبية يصفّى فيها الفؤاد من النوايا السيئة وأنواع الشرك الصغير والكبير، والحسد والأحقاد، وسائر الآفات المعلومة لدى الله تعالى المخفية عن الناس، وما تكون عليه الجوارح من إقبال على الطاعات وابتعاد عن المعاصي والموبقات.
٣ – اختيار رمضان ليكون شهر القرآن وتوجيه المؤمنين فيه إلى الانشغال بآي الذكر الحكيم، إذ تدبُّر القرآن في التلاوة والتراويح والقيام هو بالنسبة للمؤمن بمثابة المراجعة الشاملة لنفسه وحالها وحقيقتها، بعرضها، مرة في السنة على الأقل، على الهداية القرآنية الموجهة للناس حتى يبين لهم الحق من الباطل ويفرقوا بين ما ينفعهم وما يضرهم، يقول عز وجل: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)).
٤ – التحذير الشديد من فساد الصيام باقتراف الموبقات والمعاصي وتشديد العقوبة عليها في رمضان. عن أبي هريرة رضي الله عنه، ((مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ)) أخرجه البخاري.
٥ – الترغيب في المسارعة في العبادات وسائر القربات وتعظيم الأجر والثواب في ما يقوم به الصائم. فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل عمل أبن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله عز وجل: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) [أخرجه مسلم 2760]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه [البخاري 38، ومسلم 1817]
٦ – جعل رمضان شهرا اجتماعيا للأنس والمودة والتضامن، وللتآزر المتبادل بين المؤمنين على الطاعات، بالإقبال الكبير على الصلوات في المساجد والتراويح والقيام وحلقات الذكر والمواعظ، والتنافس على الصدقات وإطعام الصائم، والاجتماع العائلي على موائد الإفطار، فيكون ذلك الجو العام دافعا على الخير للجميع، مشجعا للأضعف غير المتعود على العبادات، قاهرا للمتمرد الأجرء على الموبقات.
٧ – جعل المؤمنين جميعا، فقيرهم وغنيهم، ينخرطون في عملية تضامن عالمية، هي الأكبر والأشمل في تاريخ البشرية وإلى يوم القيامة، وهي زكاة الفطر التي يجبر بها الله ما نقص من الطاعات ويزكي بها ما صلح من الأعمال، وينزل بها الرحمة في قلوب ومجتمع المؤمنين،
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين” (رواه البخاري ومسلم).
٨ – جعل الله شهر رمضان شهر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو شهر غزوة الفرقان، غزوة بدر، التي غير الله بها مجرى التاريخ وانتقل الإسلام بها من حالة الدفاع إلى الغزو والفتوحات، ثم معارك حاسمة أخرى في التاريخ الإسلامي ومنها فتح مكة، القادسية، فتح عمورية، فتح الأندلس، معركة الزلاقة، عين جالوت، ومنها كذلك حرب أكتوبر. بما يجعل المؤمن يدرك بأن رمضان هو شهر لنصرة الإسلام وبما يدفعه إلى التأمل في حقيقة ما يقوم به لصالح دينه وأمته.
إن كل هذا التدبير الرباني في شهر واحد جدير بأن يغير حياة المؤمن الصائم لو أدرك معانيه والتقط خيطه الرحيم واتبع سبيله، فاغتم تصفيد الشياطين ليتسلط على نفسه فيعوّدها كره المعاصي وتجنبها، وحب الطاعات والإقبال عليها، مركزا على الهدف الأوحد بأن يخرج من الشهر وقد صار مؤمنا تقيا، مستعينا بتطييب قلبه بقراءة القرآن وتدبره، يعلق قلبه بالمساجد، يأنس بصحبة المؤمنين ويتقوى بهم في التراويح والجماعات، يأنس بالخلاوات مع ربه، وقيام الليل في سربه ومع أهله، يعوّد لسانه على ذكر الله ذكرا كثيرا قائما وقاعدا وعلى جنبه، يسعى لأن يكون لطيفا بأهله مسامحا غيره، مشفقا على الفقراء والمساكين والمحتاجين، يبذل من ماله، معسرا كان أو ميسرا، موقنا بأن ما يقدمه من خيرٍ الله يخلفه، يكثر الدعاء لنفسه وأهله وبلده وأمته، ولفلسطين لعل الفتح والتحرير يكون قريبا إذ لاحت أماراته، ينخرط بما يستطيع في فعل الخير العام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعانة المصلحين في ما يبذلونه.
إن الثبات بعد شهر الصيام، ومواصلة الطريق على النهج الرمضاني العام في سائر الشهور يتحقق لو تحولت الاستقامة إلى عادة، وأكبر الخسران أن يكون الإقبال على الطاعات في رمضان مجرد طفرة طارئة عابرة يدفع إليها الجو العام ويساعد عليها تصفيد الشياطين. فلنسدد المقصد في هذا اليوم الأول من الشهر ولنعزم على تغيير أنفسنا إلى الأبد والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل.

د. عبد الرزاق مقري