الشيخ القرضاوي رحمه الله: مشروع أمة سيكتمل

لم يكن نبيا ولكن كان من ورثة الأنبياء، لم يكن معصوما ولكن هدى الله به خلقا كثيرا، أخطأ وأصاب، ولكنّ أخطاءه تغرق في بحر صوابه. إنه الشيخ القرضاوي رحمه الله، هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحدا. لقد كان شمسا من شموس الأمة التي أزاح بها ظلمات الجهل والشرك، لقد كان قطبا من أقطاب صناعة حلم الانعتاق من ربقة لاستعمار والاستبداد، لقد كان قائدا من صنّاع القادة الذين أزاحوا من النفوس الشك في إمكانية قومة الإسلام ونهضته، لقد كان مؤلفا للكتب وللرجال وصانعا للمشاريع والمؤسسات. لم يكن يريد رحمه الله من كل ما فعل إلا أن يختم حياته بالشهادة على أرض فلسطين، بأن يُقصف بصاروخ فلا يبقى شيء منه كما صرح ذاته ذات يوم، ولكن ها هو – عليه الرضوان – يموت على فراشه راضيا بقضاء الله، ولعل الله يبلغه منازل الشهداء بفضله سبحانه وإحسانه.إن الحياة بعد الشيخ القرضاوي ستستمر ومشروعه سيحمله غيره، ولئن كان العلم ينقص بقبض العلماء فإن الله سيبعث في هذه الأمة من يخلفه إذ الحلم لم يتحقق بعد، وقد بانت آماراته رغم العتمة لمن يبصر ويتبصر، والصحوة التي صنعها مع أمثاله ماضية، وستكون بعد الصحوة نهضة بإذن الله تعالى.ليس الشيخ القرضاوي رائدا من الرواد الذين صنعوا قرن الصحوة الإسلامية فحسب، بل هو باعث لحركة تجديدية لقرن مقبل ستنهض فيه الأمة العربية الإسلامية بحول الله وقوته. لقد كان رحمة الله عليه تلميذا نجيبا فاعلا مبدعا من تلاميذ الرعيل الأول للحركة الإصلاحية التي بزغت في بداية القرن الماضي، وآخر الذي قبله. ولا يُخفي الشيخ القرضاوي انتماءه لأعرق مدارسها، جماعة “الإخوان المسلمون”، ولا يتردد في ذكر فضل مؤسسها عليه الشيخ حسن البنا رحمه الله. غير أن الشيخ القرضاوي أراد أن يكون عالما للأمة كلها بكل اتجاهاتها الإصلاحية، فلم يسعه أي تنظيم، فبات بحق هو مرشد كل التنظيمات الإحيائية في كل أنحاء الدنيا دون أن يكون فيها. نشأ منذ طفولته على موائد القرآن والعلم الشرعي، وتدرج في التحصيل العلمي حتى بلغ فيه مرتبة الشرف الأولى، تخرج من الأزهر الشريف مرجعا علميا لا يشق له غبار، تسعى إليه المجامع الفقهية والجامعات الدولية ومراكز الدراسات في كل أنحاء الدنيا فلا يبلغ كمال إنجازاتها إن لم يكن مساهما فيها، لا يحتاج أن يُضاف إلى إسمه المجرد أي لقب ليُعرَّف به، بل أصبح هو المرجع الأعلى الذي تفهم به المسائل العلمية وقضايا الأمة، فهو العالم المجدد والفقيه الأصولي، والمقاصدي الأريب الأديب، الذي أضحت كتبه، بعددها ونوعها، بحرا لا شاطئ له في الفكر والعلم الشرعي وفي الدعوة والأدب والسياسة وفي مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية. غرف من بحره ملايين المسلمين عبر الأجيال، حتى صارت أعداد تلاميذه في كل أصقاع الدنيا لا تحصى، لم يَعرِف جلهم، ولكنهم يعرفونه كلهم، كان يوجههم من قريب ومن بعيد، وها هم اليوم يدعون له من كل صوب، يقيمون له صلاة الغائب في كل ساعات اليوم، حيثما طلعت الشمس على الأرض، في مشاهد متكررة معتادة عند وفاة العلماء المصلحين الذين تقهر جنائزُهم شانئيهم، ويُظهر رفعُ ذكرِهم عند وفاتهم مكانتَهم، بما يُبطل مزاعم وأراجيف من كاد لهم في حياتهم.لم يكن الشيخ القرضاوي عالم شريعة فحسب، بل عالما متبصرا بالواقع الذي يعيشه ويعيشه المسلمون وتعيشه البشرية كلها، عايش في شبابه تحولات المجتمع المصري والمجتمعات العربية في كفاحها من أجل الاستقلال، وعاش نكبة احتلال فلسطين وما قابلها من جهاد وبطولات، وما أحاط بها من مآسي وخيانات، ثم شهد قيام الدولة الوطنية العربية وفرضَ الاتجاهات العلمانية بكل أشكالها، وشهد فشَلَ أنظمتها في تحقيق التنمية وضمان الحقوق وإنجاز وعد تحرير فلسطين، إلى أن سقط المشروع القومي العلماني سنة 1967، بشقيه الاشتراكي والرأسمالي، عند هزيمة جيوشه في حرب الأيام الستة أمام جيش الاحتلال الصهيوني. وحين صارت القوى الحاملة للمشروع الحضاري الإسلامي بعدئذ هي البديل الوحيد المعروض على الشعوب كان هو من سادته ومنظريه وقادته، إلى أن جاء وعد التغيير عبر ثورات الربيع العربي، فكان دخوله المظفر ميدان التحرير بالقاهرة هو لحظة تتويجه ملكا على كل عشاق الحرية، بعد جهاد قرابة قرن من الزمن.كان يكفيه أن يتوقف عن العطاء في تلك اللحظة إذ أدى الذي عليه بالتمام والكمال ولتأخذ الأجيال بعده مسؤوليتها في المرحلة الجديدة للانتقال من قرن الصحوة في المجتمعات الإسلامية إلى قرن جديد سيكون قرن نهضة الأمة بعبور الفكرة إلى الدولة، إذ لا نهوض ولا استئناف حضاري دون مكنة الدولة ومقدّراتها.لقد سبقت الصحوة الإسلامية مجهودات فكرية وعلمية وسياسية فردية وصفت المشكلة واقترحت الحلول في إطارها العام، ومن تلك المجهودات صيحات ونداءات وتوجيهات ونظريات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا. ثم جاء علماء ودعاة مجددون قعّدوا طرائق العمل وأنشؤوا التنظيمات الحاملة للمشروع والفوا رجالها وقادتها. وحينما حققت الصحوة إنجازها الدعوي في الثلث الأخير من قرنها الذي يشرف على النهاية نهض مفكرون مستشرفون يحاولون بمجهوداتهم الفردية دفع الأمة وحركاتها الإحيائية إلى المستقبل من أجل النهضة بعد الصحوة. من هؤلاء، ممن عرفتهم ودرست فكرهم أكثر من غيرهم، الشيخ محمد الغزالي والأستاذ مالك بن نبي، ولكن من أكثرهم إنتاجا وتأسيسا للمشاريع والمنظمات والمؤسسات الخادمة للنهضة كان الشيخ القرضاوي رحمه الله. كان هؤلاء السادة جميعا يحاولون توسيع آفاق الدعاة وجعلهم يضيفون إلى اهتماماتهم الدعوية والتنظيمية والفقهية، الاهتمام بعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون والفنون والسياسة والعلاقات الدولية برؤية إسلامية، مما لم يكن مدرجا في برامجهم التكوينية والتأهيلية، و كذا بناء المؤسسات الخادمة لذلك، بما يؤهل حملة المشروع الإسلامي لمرحلة مقبلة حتمية سيقابلونها حينما تطالبهم الشعوب بخدمتهم في أمور دنياهم، عبر المجالس المنتخبة والمؤسسات الحكومية، بعد أن وثقت فيهم واتبعتهم من قبل كدعاة في أمور دينهم.لن تذهب الوقفة التاريخية لزعيم الصحوة، الشيخ القرضاوي، في ميدان التحرير سُدى. إنما كانت تلك الوقفة رمزية تدل على نهاية مرحلة وولوج مرحلة جديدة، ولا شك أن لكل مرحلة جديدة أتعابها وشكوكها واضطراباتها وخلافاتها، بل أحيانا فتنها. ولكن بكل تأكيد سيعرف مشروع الاستنهاض الحضاري للأمة الذي عاش من أجله فقيدُنا التوفيق والنجاح والنصر المبين، وستقوم دول ومجموعات دولية لخدمته، وستكون لنا دول ناهضة متطورة قوية وفق برنامجه، وسينعم على مقاصده الناس بالكرامة والعدل، وستحرر فلسطين على رؤيته، وسينتهي ويزول الطغاة الجبابرة أعداء مشروع الأمة، وسيطويهم الزمن مشنّعا بذكراهم كما حصل لمن سبقهم ممن على شاكلتهم، هؤلاء الذين انقلبوا على حرية الشعوب، هؤلاء المتسببون في تأخر بلدانهم وتبعيتها لأعداء أمتهم، هؤلاء الذين ظلموا الشيخ القرضاوي ولم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة، ولم يراعوا مكانته ولا سنه، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. كما أن التاريخ سيفضح أزلام هؤلاء من العلماء والسياسيين والإعلاميين وأشباه المثقفين الذين شاركوا في محاولة اغتيال نهجه وإنهاء أثره حيا، هؤلاء جميعا الذين يُشيدون برجال الدين من النصارى واليهود والهندوس، ويرسلون التعازي بوفاة كل أعلام الملل، ولا يعزون الأمة في إمامها، بل منهم من يتشفى ويذكر الرجل بالسوء ميتا بما ليس فيه.ولئن حاول هؤلاء جميعا قتله بالحكم عليه بالإعدام، ونجحوا في إخراجه من بلده، فإنهم لم يفلحوا في تقييده إذ بقي حرا يصدع بالحق كما كان طيلة حياته، إلى أن لزم الفراش وتوفاه الله رحمة الله عليه. سيبقى الشيخ القرضاوي شامخا في الزمن وسينصفه التاريخ وستُكتب بشأنه الكتب وتشيّد جامعات، وستسمى باسمه مؤسسات مجتمعية وحكومية، وسيُرسّخ في الآفاق أنه هو رائد الوسطية الحقة، وسلطان ميزان الاعتدال، ورمز المحبة والحلم والكرم والسماحة، والله نسأل أن يجعله في عليين مع الأنبياء والشهداء والصالحين في جنات رب العالمين.

من عصر النهضة إلى عصر الأنوار

الحضارة الغربية والمسألة الدينية
4 – من عصر النهضة إلى عصر الأنوار

لو نبحث في تاريخ التحديات التي واجهها الأوربيون في زمن عصورهم الوسطى المظلمة ومختلف الاستجابات التي قام بها زعماؤهم الكبار في مختلف المجالات الدينية والسياسية والفنية والعلمية ليجدوا لهم مكانة في العالم وليمنعوا أنفسهم من ذهاب ريحهم بسبب صراعاتهم وحروبهم الدينية السياسية، ولكي لا تبتلعهم الحضارة الإسلامية بتفوقها في المجالات الدينية التوحيدية والأخلاقية والإنسانية والعلمية والأدبية والسياسية والعسكرية، من الغرب عبر الأندلس، ثم من الشرق عبر الأناضول، لوجدنا في ذلك تشعبات وتعقيدات لا حصر لها.

متابعة قراءة من عصر النهضة إلى عصر الأنوار

رحلتي إلى كندا (2- كوخ على ضفاف البحيرة)

اقتصرت العلاقة مع الإخوة المسؤولين في الحركة وعموم المواطنين الذين التقيناهم من الجالية في اللقاءات والنقاشات السياسية والفكرية والاجتماعية  الممتعة والمفيدة، أما البرنامج السياحي فقد قمت به مع العائلة وكان الدليل فيه ابني  مصطفى في مونتريال وتورنتو،  وابنة أختي صفا بارك الله فيهما.

متابعة قراءة رحلتي إلى كندا (2- كوخ على ضفاف البحيرة)

الحضارة الغربية والمسألة الدينية (ج3)

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة مقالات تتحدث عن صعود وسقوط الحضارات وعن تأثير الفكرة الدينية في ذلك، وقد وصل بنا الحديث في هذا الموضوع المتشعب إلى متابعة نشوء الحضارة الغربية على أساس ديني كغيرها من الحضارات البشرية في نهاية القرون الوسطى وبداية عصر النهضة

متابعة قراءة الحضارة الغربية والمسألة الدينية (ج3)

الاستبداد والاندماجيون الجدد

داء الاندماجية حقيقة اجتماعية تتكرر في كل الأزمنة، تتشكل في أزمنة الاستعمار بدافع القابلية للاستعمار وفق النظرية البنّابية، وتطفو على السطح في حقب الاستبداد تصممها “القابلية للاستبداد” على نحو ما نراه في ظل أنظمة ما بعد الاستقلال.

متابعة قراءة الاستبداد والاندماجيون الجدد