في ذكرى التأسيس.. بعض المعلومات للأجيال

قمنا في الندوة التي نظمت بمناسبة الذكرى 19 لوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله بتكريم الحاج لخضر بكار، كمبادرة أولى لتكريم المؤسسين الأحياء منهم والأموات رحمهم الله تعالى. والحاج بكار أهل لأن يُكرم، فهو من أبرز وأهم المؤسسين لحركة المجتمع الإسلامي (حركة مجتمع السلم حاليا)، وكان مساندا للشيخ محفوظ بالرأي والمعلومات وبعلاقاته الممتدة مع رموز الثورة التحريرية والقادة السياسيين الكبار الذين كانوا مع هواري بومدين، كما دعمه بالمال والإمكانيات المادية حيث كان المقر الوطني الأول للحركة – ولسنوات عديدة – ملكا له في بلكور، وهو المقر الذي اتُّخذ فيه قرار تأسيس الحزب بعد نقاش بيننا صعب ومعقد غادر على إثره الحركةَ رجالٌ أفاضل من المؤسسين التاريخيين.
حينما زرت الحاج بكار لأخبره عن نيتنا لتكريمه تأثر كثيرا وأخذ يقص لي بعض القصص المفيدة والمؤثرة عن علاقاته وأعماله مع الشيخ محفوظ والعديد من الأشخاص الذين كان على علاقة بهم، وعن رأيه وتقييمه لكثير من التحولات التي عرفتها الحركة، ومن أبرز ما حدثني عنه بعض الإجراءات التفصيلية في ملف التأسيس الذي سُلم للداخلية. سلمني بعد ذلك وصل تأسيس الحركة والقائمة الإسمية للأعضاء المؤسسين، وتعود أهمية الوثيقة أنها مكتوبة بخط الشيخ بوسليماني كما أخبرني.
طلب مني الحاج بكار أن أعلق القائمة في المقر ورأيت مفيدا أن أنشر الوصل والقائمة لإعلاء شأن السابقين خاصة الذين تحملوا عبء قرار تأسيس الحزب في مواجهة النقد اللاذع من داخل الصف وخارجه والتهديات الكبيرة تجاه الموقف في ذلك الوقت وهي فرصة للتذكير ببعض تفاصيل تأسيس الحركة قانونيا.
بعد تأسيس الحركة أصبحت – كحزب سياسي قانوني- هي الواجهة العلنية للجماعة (بعدما كانت جمعية الإرشاد والإصلاح هي الواجهة القانونية). بقيت الجماعة تعمل في السر ( كما كانت كل الحركات السياسية في زمن الحزب الواحد) ولكن بعد سنوات قليلة تمت عملية التكييف والدمج للخروج نهائيا للعلن، وقد تم اختيار كلمة “حركة” بدل كلمة “حزب” لنبقى في دائرة المهمة الإصلاحية والاستنهاض الحضاري فكريا وسياسيا ومجتمعيا، كما نحن عليه إلى الآن بحمد الله، وقد خضنا الانتخابات الرئاسية سنة 1995 بهيكل مدمج واحد كما نحن عليه الآن مع التطويرات الهيكلية مرحلة بعد مرحلة.
كان الشيخ بوسليماني هو رئيس لجنة إعداد إجراءات التكييف ودمج الجماعة مع الحزب وقد تشرفت أن أكون معه في اللجنة وكانت النقاشات التي خضناها في الموضوع هي بداية اهتمامي الفكري بالتطوير الهيكلي والإداري للحركة الإسلامية والذي عرف تقدما مميزا في السنوات الأخيرة.
وللتذكير أسس الشيخ محفوظ نحناح جماعته في ولاية البليدة وكان موقع قدمه في العاصمة في بلدية المَدنية أولا، وبعد أن دخل السجن توقف نمو انتشار جماعته لصالح جماعات إسلامية أخرى، وبعد خروجه من السجن سنة 1981 استأنف نشاطه بحيوية كبيرة فالتحق به أنصار كثر من مختلف الولايات كانوا قد أسسوا أنفسهم على أساس الفكرة دون أن تكون لهم علاقة بالشيخ محفوظ نحناح، ولكن الحتقوا بجماعته على خلفية الفكرة التي كان يحملها والمنهج الذي كان يتبعه وبسبب شخصيته الجذابة وبيانه المؤثر، وضمن سياقات تاريخية عملت لصالحه، ولم تكتمل عشرية الثمانينات حتى صارت جماعته الأقوى والأظهر في الجزائر.
سبق لي أن تحدثت عن كثير من تفاصيل هذه المسيرة سنة 2016 في سلسلة برنامج مراجعات على قناة الحوار اللندنية مع الأستاذ عزام التميمي حفظه الله، ولكن كان حديثي ضمن إطار عام فقط، وقد أعود في وقت لاحق ( أو في وقت قريب إذا تطلب الأمر ذلك) لأكتب مزيدا من التفاصيل وأدلي بشهادتي عن التأسيس والمؤسسين في الولايات التي نشطت فيها في النصف الثاني من السبعينات وعقد الثمانينات، خصوصا في ولاية المسيلة ثم ولاية سطيف وولاية برج بوعريريج وولاية بجاية وكيف تعرفنا على الشيخ محفوظ نحناح رحمه، وعلاقتي بالعمل الإسلامي في مختلف الجامعات والولايات آنذاك، وكيف كانت العلاقة مع الشيخ محفوظ وكيف تطورت، ومن وجدناه معه وكيف كانت جماعته وكيف تطورت، وكيف كانت الجماعات الإسلامية الأخرى وكيف كانت العلاقة بينها.
اقترح علينا أحد الأفاضل أن ننظم لقاء عاما للمؤسسين على المستوى المحلي، وربما نطلب من هؤلاء الأفاضل أن يكتبوا حقيقة ما عاشوه في فترة التأسيس، كل في بلديته وولايته وكيف التحقوا بجماعة الشيخ محفوظ، حتى لا نستأثر نحن، المعروفين، بكتابة تاريخ الحركة الإسلامية في بلادنا. وسيكون في ذلك فائدة للأجيال المستقبلية، ضمن تطورات جارية ولاحقة سيتغير فيها كل شيء.

د. عبد الرزاق مقري