المخزن وتجاوز الخطوط الحمراء: عن الجذور والأبعاد والموقف

أبان نظام المخزن على وجهه الحقيقي، وعلى تورطه القديم في دعم الفتن ورعاية المجموعات الانفصالية في الجزائر المحروسة.

ولست أدري كيف يشبّه قضية الصحراء الغربية العادلة من الناحية التاريخية والإنسانية والأخلاقية ومن حيث القانون الدولي بوضع داخلي للجزائر الواحدة الموحِّدة الموحَّدة بتحريك نعرات هامشية، جذورها استعمارية استُعمل فيها بعد الاستقلال عملاء منبوذون من سكان منطقة القبائل ذاتها، كانت تكون قد انتهت لو لا سوء التدبير والاستعمال المغرض للتنوع الجزائري من قبل نظام استبدادي جزائري مغرور بلا نزاهة ولا كفاءة.
لقد كانت الصحراء الغربية بلدا مستعمرا من طرف الاسبان ولم يقاتل المغاربة من أجل استقلالها أبدا، وإنما وهبها الغرب (أمريكا وفرنسا واسبانيا) للحسن الثاني ضمن الحرب الباردة لتكون الصحراء تابعة للمعسكر الرأسمالي الامبريالي في مواجهة المعسكر الاشتراكي الذي انتمت إليه الجزائر بعد الاستقلال.
ولو كانت الصحراء مغربية فعلا لما عرض الحسن الثاني لبومدين تقسيمها مع الجزائر، ثم قسِّمت فعلا مع موريتانيا حيث أخذ المغرب المنطقة النافعة، ثم انسحبت موريتانيا من اللعبة لاحقا. وإذا كان المخزن يُرجع تبعية الصحراء إلى وجودها ضمن دول قديمة تضم مساحات من عدة دول حالية فإلى أين ينتهي هذا الطموح التوسعي: هل يبدأ من دولة الأدارسة أم المرابطين أم الموحدين أم الوطاسيين أم السعديين أم العلويين.
وإذ سلمنا بأن المغرب يعتبر الصحراء الغربية جزء من الدولة العلوية أو أي من هذه الدول التي كانت عاصمتها في أقليم المغرب الحالي فبإمكانه أن يطمع عندئذ في جزء كبير من الغرب الجزائري وأن يذهب بعيدا فيتجه جنوبا إلى حدود نهر السنغال بل يطمع في أجزاء كبيرة من النيجر ومالي.
وبهذا المنطق بإمكان الجزائر أن تطمع باسم الدولة الحمادية – كأول دولة جزائرية مستقلة بعد انفصالها عن الفاطميين – في أغلب الإقليم التونسي الحالي الذي كان يتبعها، كما يمكن لتونس أن تطمع باسم الدولة الحفصية في الشرق الجزائري كله بحكم انتسابه لها آنذاك، كما يمكن للجزائر أن تطمع باسم الدولة الزيانية التي كانت تمثل المغرب الأوسط وعاصمتها تلمسان في أجزاء من دولة المغرب الحالية إلى حدود وادي ملوية فيكون لها جزء من مدينة جرسيف وتكون مدينة وجدة وتاوريرت وفجيج تابعة للجزائر كذلك..
بل بإمكان الجزائريين أن يطالبوا باسم دولة الأمير عبد القادر بالمغرب كله بحكم أن الأمير من سلالة الأدارسة التي حكمت المغرب قديما في زمن الفاطميين في شمال افريقيا والأمويين في الأندلس، وقد نال الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة تأييدا شعبيا مغربيا عظيما أثناء حربه ضد فرنسا أعطاه شرعية السيطرة على حكم المغرب لو أراد ذلك، علما بأنه على أساس هذه الخشية نكل سلطان فاس عبد الرحمن العلوي بالعديد من رجال بلاطه بسبب تعاطفهم مع الأمير ثم إلى عدو للأمير ذاته ففتك بأكبر قادته غدرا وتحالف مع الفرنسيين ضده وكان من الأسباب المباشرة لنهاية دولة الأمير عبد القادر ومقاومته.
إن الاعتماد على الجغرافية التاريخية، والتحولات السلالية السياسية، للمنطقة مخطط فتنة عظيمة تحركها القوى الاستعمارية، لا تنتهي أبدا لو بدأت، ينفذها نظام مغربي عاجز على تحقيق التنمية وإسعاد شعبه فيشغلهم بأحلام شيطانية لا تورث إلا الدمار للجميع.
إن اعتبار الحدود الموروثة عن الاستعمار هي حدود الدول الحالية اعتبار منطقي وشرعي يقوم على أساس تاريخي رسخته الدماء التي قدمتها الشعوب ضد الاحتلال، وعلى أساس القانون الدولي المعترف به من المنظمات الدولية والحكومات التي تحترم هذا القانون وتحترم إرادة الشعوب.
وفي هذا الإطار الحديث عن استقلال القبائل عن بلدهم الجزائر الذي قدموا من أجله دماءهم مع غيرهم من الجزائريين من مختلف الأعراق حديث خبيث وراءه نوازع كيدية خطيرة.
وبما أن بصيرة حكام المخزن قد عَمت فتجاوزوا الخطوط الحمراء رسميا عليهم أن يفهموا مغزى وقف القتال من زعماء منطقة القبائل للالتحاق بجبهات المواجهة ضد الأطماع المغربية في حرب الرمال سنة 1963.
ثم لا أدري ما هي مرجعية نظام المخزن حين يتكلم ممثله في الأمم المتحدة عن القبائل في مؤتمر حركة عدم الانحياز، هل هو كريم بلقاسم أم عميروش أم آيت أحمد أم محند أولحاج أم عبان رمضان، هؤلاء جميعا هم ممن صاغ استقلال الجزائر واحِدة موحّدة مع إخوانهم من كل الأعراق الجزائرية التي وحدتها الأخوة الإسلامية، وثبتت الدماء وحدتهم الوطنية، واستمرت الثورة سنتين إضافيتين من أجل أن يكون الاستقلال بهذه الخريطة الجزائرية التي كانت تمثل الدولة الجزائرية القوية المسيطرة على البحر الأبيض المتوسط في عهد الإيالة من 1515 إلى أن ضعفت فاحتلت سنة 1830 من قبل الاستعمار الفرنسي وتم استرجاعها بالثورة التحريرية النوفمبرية كاملة وكان الثمن مليون ونصف شهيد، بل كان الثمن بإضافة شهداء كل المقاومات الشعبية أكثر من ستة ملايين .
أي شبه بين هذا التاريخ المشرف الذي وحّد الجزائريين وبين الرغبات التوسعية التي تستأسد اليوم على شعب طيب مسالم في الصحراء الغربية، وقد يصنع غدا أزمات أخرى مع كل دول المنطقة خدمة لمخططات استعمارية غربية صهيونية في حال ضعف قد يطرأ على أي من هذه الدول.
لهذه الأسباب كلها يجب الثبات على اعتبار قضية الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار تحل بتقرير المصير كما تنص عليه مقررات الأمم المتحدة، وذلك على أساس مبدئي ثم من أجل حماية بلدنا مما يمكن أن يحدث مستقبلا مع جوار لا يتحكم في قراره ولا يمكن توقع تصرفاته، تماما كما رأينا في هذا التصريح الخطير للسفير الممثل الدائم لدى المملكة المغربية.
وأما عن حديث بعض السذج بتفضيل وحدة المسلمين على التشتت لإعطاء الشرعية للاحتلال المغربي للصحراء الغربية فهذا لا ينطلي على من يعرف مخططات الاستعمار ودوله الوظيفية من بني جلدتنا ومن هم على ديننا ويتكلمون لغتنا.
غير أن الذي يجب أن نؤكد عليه في ختام هذا المقال أن من أسباب تفاقم الأزمة مع نظام المخزن الفاقد للسيادة هو ضعف النظام السياسي الجزائري وتعمق أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتراجع تأثيره في الساحة الدولية بسبب الفساد المتجذر والرداءة وعدم قبول التعاون مع القوى الوطنية الصادقة التي لا تقبل الخضوع لأي شكل من أشكال الطمع والابتزاز على حساب الوطن، واستمرار اعتماد هذا النظام بدل ذلك على شبكات الزبونية والانتهازية التي تغير ولاءاتها حسب تغير الرياح وتمنح خدماتها لكل متغلب.
إن #الجزائر، رغم كل الأزمات، لا تزال بخير، وإن طمع نظام المخزن في خلافاتنا وبعض جوانب ضعفنا للتأليب علينا، واستغلال عملاء الانفصال والخونة في منطقة القبائل وغيرها، فهو مخطئ، وهو لا يعرف طينة الجزائريين، وهو بتجاوزه للخطوط الحمراء يساعدنا وحدة الجزائريين التي لا نفرط فيها أبدا رغم أزماتنا، ويعجل بفنائه وتخلص الشعب المغربي منه قبل أي تحول مهم آخر في المنطقة.

د. عبد الرزاق مقري