إسلاميون وخبز مسموم

ملاحظة قبل القراءة: هذا المقال ليس مخصوصا لجهة محددة دون غيرها، سواء ما تعلق بالأشخاص أو الأحزاب، في أي بلد من البلدان أو حزب من الأحزاب، الأقربين منهم والأبعدين، وإنما هو قول حق اقتنعنا به رأينا واجب الصدع به، فإن كان صوابا نسأل الله أن ينفع به، وإن كان خطأ نسأله العفو والسداد.

يقول البشير الإبراهيمي رحمه الله ‏”قبّح اللّه خبزة أبيع بها ديني، وأعق بها سلفي، وأهين بها نفسي، وأهدم بها شرفي، وأكون بها حجّة على قومي وتاريخي“. هذا هو الخبز المسموم، والخبزة المسمومة هنا مفهومها واسع: مال ومتع ومصالح شخصية، جاه وسلطة وشهرة وعلاقة وبهارج.. الخ ..

لقد ابتليت الأمة منذ عقود بأنظمة فاشلة تنشر الفشل، فاسدة مفسدة، استأثرت بالحكم ضد إرادة الشعوب، حكمت ببرامج علمانية خفية ومعلنة، معادية لهوية الأمة، مدمرة للثروات البشرية والمادية، بالرداءة تارة وبالتقصد تارة، بعض حكامها باع الأوطان للأجنبي وبعضها أضعفها وشتتها، أكلوا جميعا الخبز المسموم على حساب بلدانهم، فشلوا في تحقيق التنمية، وحكموا بالقوة والسيطرة والهيمنة، فمنعوا أو ضيقوا على الحريات وغيبوا الإرادة الشعبية الحقة، أفسدوا العملية السياسية برمتها وعقدوا الحياة الاجتماعية بين الناس، فسيطروا على الأحزاب والمنظمات وركائز المجتمع، ضيقوا على الناس وألجؤوهم إلى أضيق السبل حتى هاجر بعضهم، وانكفأ على ذاته بعضهم، وفسد بعضهم، وتطرف بعضهم، ومن ثبت منهم عاش جلهم حياة شاقة بلا أفق.

وفي الوقت الذي انتظرت فيه الأمة البديل الاسلامي لينقذها من هذه الأنظمة الفاسدة الفاشلة، ظهرت تيارات إسلامية أحسن الناس الظن بها وراهنوا عليها في كل انتخاباتهم، وصبروا على عدم تمكنها بسبب الانقلابات والتزوير والمنع والصد، غير أن طول الطريق أفسد بعض هؤلاء فنزعوا إلى أكل الخبز المسموم كمن فاتهم من الأحزاب والقوى السياسية الحاكمة، لا أقصد في هؤلاء التيارات الدينية ذات التشدد الظاهري التي صنعتها الأجهزة الاستخباراتية للسيطرة على الساحة الدينية، والتي أضحت، بِليّ أعماق النصوص الشرعية، تبغض الصالحين وتحارب المصلحين، وتوالي العلمانيين والفاسدين وتسند الظالمين. بل أقصد تلك الأحزاب التي جاءت من عمق الدعوة التي صنعت الصحوة وولجت عالم السياسة ضمن تطور سنني طبيعي، ولما بعدت على قادتهم الشقة أفتوا لأنفسهم الخضوع والخنوع والتفريط في المبادئ والقيم، فتبعهم أتباعهم بسذاجة وقلة وعي ممزوج بحب السلطة والدعة والنعيم، أو بمكر وخداع معجون بالكبر والهوى والتعلق بالمصالح الشخصية لا غير.

وأخطر ما في هؤلاء القادة أنهم يدّعون الفهم ويبررون باسم التجديد الإسلامي مواقفهم المخزية، ويتفيقهون بما سموه “الاجتهادات المقاصدية” التي لا قصد فيها إلا المصالح الشخصية. يدورون حيث دار الحاكم صاحب “الجلالة” أو “الفخامة” يقدسونه قداسة لم يعطها المسلمون الأوائل لخير الحكام أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، بل يجعلون قرارات حكامهم الفاسدين مقدّسة، ويعطونهم حق إصدارها بمفردهم بلا مؤسسات ولا رقيب ولا حسيب ولو كانت تلك القرارات تتعلق بمصير البلد ومصائر الخلق في الحاضر والمستقبل، ولو كانت تتعلق بالصلح مع العدو، ولو كانت تتعلق بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وإنه لعمري تقديس كاذب، أظهرت لنا التجارب، بعد حسن ظنٍ بالكثيرين ممن اختلفنا معهم في هذا الشأن، بأنه إنما هو تقديس للمصالح الشخصية المرتبطة بقوة الحاكم وغلبته، إذ سيكون هو ذاته في مرمى ضربات هؤلاء المتزلفين حين يضعف أو ينكسر، للانتقال لدعم غيره المتغلب الجديد. ومن أسوء ما سمعنا من هؤلاء، مما أصبح ممجوجا مقرفا لا يمكن بلعه ولا حتى سماعه، حديثهم عن المصلحة الوطنية ومصلحة الأمة، يقولون أنهم يصونون الوطن وهم ممن يدمره، يدّعون المحافظة على الدولة وهم ممن يهدمها، ويقولون نحمي الدين وهم ممن ينقض عراه، يقولون ندفع المفاسد ولو بترك المصالح، وهم يجلبون المفاسد للدين والأوطان والأمة، ولا يأتون بالمصالح إلا لأنفسهم، يقولون نلتزم بالدفاع عن فلسطين وهم عمليا يتآمرون عليها ويقوون أعداءها. أليس هذا من الكذب على الله الذي بينه الله تعالى في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّه عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود : 18 ).)) ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إننا لا نقصد ضمن هؤلاء أهل العلم والفكر والساسة الذين يجتهدون ويجددون ويحسنون تنزيل الأفكار والأبعاد المقاصدية الحقة على الواقع، وإن أخطؤوا لا يستنكفون أن يعودوا للحق ولو كرهت نفوسهم، إنما نقصد من استعملوا النصوص وما يسمونه “اجتهادات مقاصدية” لتقويض الثوابت والمبادئ بما يضر بالإسلام والقضايا الأساسية للأمة، وهؤلاء يوجدون في العديد من الأقطار في عالمنا الإسلامي، الله أعلم بمقاصد الجميع ونواياهم في كل تجربة من تجارب هذا التيار الكبير، و رغم علمنا بوجود أدعياد فسدت أخلاقهم وأفكارهم ودلّنا عليهم سلوكهم وما نعلمه يقينا فيهم، لا ننكر ما اختلف فيه إلا ما ظهر عواره وانحرافه وخطره على الأمة مما لا يختلف حوله سواد المسلمين أو أكثرية أهل العقل والنهى، ونسأله سبحانه الثبات والسداد إلى أن نلقاه لا مبدلين ولا مغيرين.

غير أن الحمد والشكر لله أنه يوجد في جسم التيار الإسلامي العظيم، في كل البلدان أكثرية في التيار الإسلامي العظيم رجال وأحزاب ومنظمات، صامدين صادقين ثابتين مضحين، لا يبالون بالسلطة وهي بين أيديهم لو باعوا، ولا تهمهم المناصب وقد تركوها قصدا وطواعية إذ لم تكن لهم لمصلحة بلدانهم وأمتهم، بعضهم آثر الإيذاء بكل أصنافه إيمانا واحتسابا، وبعضهم يواصل المقاومة وفق المتاح بما يستطيع إلى أن تأتي ساعة التوفيق وفق قواعد سننية لن تتأخر حين تجتمع شروطها يحكمها مالك الملك العزيز العليم، مدركين جميعهم للرهانات الحقيقية، مستفيدين من التجارب الماضية، يحافظون على الأمل إلى أن يتحقق بإذن الله، في حياتهم، أو للأجيال المستقبلية… وهؤلاء جميعا، جيلا بعد جيل، هم أمل الأمة وأوطانها، لأن الإسلام الذي يخدمونه ويريدون استئناف نهضته وعودته الحضارية هو ذاته أمل الأمة ومستقبلها ولو كرها شانئوه، وصدق الله تعالى إذ يقول: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا (28))) الفتح. إنه فعلا لا يخفى على أحد أن أعداء المشروع الإسلامي، وأعداء الإسلام ذاته يحاولون استغلال الصورة البائسة التي يمنحها أولئك الإسلاميون المستسلمون المتفيقهون، ولكن هيهات هيهات، قد تزول كل الأحزاب والمنظمات الإسلامية ولكن الإسلام باق، وهو ذاته بإرادة المولى من يوجد أحزابا ومنظمات إسلامية أخرى إن تولينا أو انحرفنا، كائنا من نكون، يختارها الله تعالى لبعث النهضة الحضارية الإسلامية من جديد، يحسنون العمل بما يوافق زمانهم دون التفريط في مبادئهم. قد يفرح خصوم الإسلاميين بسقطة هذا أو ذاك، هنا أو هناك، ولكنهم سيبقون بِغيْضهم ببقاء هذا المشروع الإسلامي العظيم وقومته، قومة قادمة رغم كل المصاعب القائمة والقادمة.ونختم هذا المقال بآية للتفكر والتدبر من سورة آل عمران:((قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)))

د. عبد الرزاق مقري