الرد على الخصوم بين الشدة واللين في ميزان الشرع

لقد أثار ردي الشديد على من اعتدى علينا وظلمنا ردودا كبيرة، الغالبة العظمى منها مؤيدة، وبعضها معترض. ولا أريد في حقيقة الحال تبرير موقف وتأكيد توجه، كما أنني لا أقصد الإشادة بمن ساندني والتقليل من شأن من اعترض علي، وحديثي في هذا المقال لا يتوجه لمن كانت لهم مواقف عدائية سياسية أو فكرية أو أيديولوجية أو نابعة من حقد وحسد وحسابات صغيرة. إن حديثي متجه لمن استعمل النصوص الشرعية في الإنكار علي ونبرة تعليقه (أومعرفتي ببعضهم) تدل على صدق مقصده وطيب خاطره. فهل رد العدوان الذي انتهجته والشدة التي اخترتها مخالفة للدين ولسمت الإسلام؟ وهل هي ما يجب أن يكون في كل الأحوال؟ أم أنها مجانبة الإطلاق للصواب في كل الظروف؟
إن من مظاهر قلة الفهم، وتواضع الإدراك، وسوء المقصد في بعض الأحيان، استعمال النصوص الشرعية بغير هدى فترى الواحد يستعمل آية قرآنية أو حديثا نبويا أو قولا مأثورا لتبرير عمل قام به أو يريد اقترافه، ثم يأتي آخر فيدلل على نقيض عمل الأول بآيات وأحاديث ونصوصا أخرى متعارضة حتى يخيّل للمتابع المحايد بأن ثمة تناقضا ما، وربما ثمة من يفتتن بهذا ويزل، والأخطر من ذلك قد يتأس الأتباع بالموقف الخاطئ، أو بموقف ضمن سياق معين فيكون في ذلك تأثير سيء في تربية الأجيال وتوجيه عوام الناس وخواصهم، وسبب هذه الفوضى في استعمال الدين في التبرير والاعتراض هو ظاهرة انتقاء النصوص وفق الحال والحاجة بغير علم ولا عدل، فحاشى الشريعة الإسلامية أن يكون فيها التناقض والتصادم. إنه حينما تستعمل النصوص الشرعية على هدى من علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة في الترجيح بين النصوص تزول هذه الفوضى وتنجلي الصورة وتتحقق الهداية وتقع المصلحة وتعم الرحمة ويشيع العدل.
إن النصوص من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والعلماء التي تدعو إلى الرفق والإحسان والصفح في مخالطة الناس وفي دعوة الغير والرد على الخصوم كثيرة غزيرة لا مراء في ذلك ولا شك، بل إن قوتها وكثرة ورودها وظهور حقيقتها في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وفي سلوك الصحابة والتابعين والصالحين في كل عصر بينت بأن ذلك هو المنهج الإسلامي الأصيل الذي يجب أن يكون عليه المسلم الذي يؤمن بالله ورسوله في حياته اليومية وفي كل شأنه. غير أن هذا لا يعني أنه بمقتضى هذا المنهج على المسلم أن يكون مهينا ذليلا ضعيفا مهيض الجناح مستسلما لمكر الظالمين والمفسدين، لا يستطيع أن يرفع يده لينش الذباب عن وجهه، أو لا يستطيع أن يدخل بقوة في سنة التدافع ليصنع الحياة ويوقدها ويسوسها. قد أتفهم أن يكون هذا السلوك مطلقا في حياة الدعاة الذين يشرفهم الله بوظيفة المنبر وتوجيه الناس بالمواعظ والتعليم، ولكنه لا يمكن أن يكون مطلقا في حياة الدعاة الذين يتخصصون في السياسة وحماية الثغور، فهؤلاء حياتهم تكون في مجملها وفي أغلب يومياتها على منهج الرفق واللين ولكن يجب أن يتحلوا بالشدة والغلظة أحيانا في مواجهة الخصوم وإلا هزموا واندثروا وانهزمت قضيتهم واندثرت، وإنما الضابط في التعامل مع هاتين الحالتين، الأصلية والاستثنائية، أمران هما: صحة المقصد بأن يكون ذلك لله تعالى ثم لغايات نبيلة لا يحيط بها الريب والشك، وأن يكون الاختيار في موقعه ومكانه، وفي كلتا الحالتين توفيق الله هو العاصم. وقبل أن أسوق النصوص الشرعية التي تسند هذا الفهم لا بد من التأكيد بأن العقل السليم، الذي يتطابق كلية مع النص الصحيح، والنفس السوية المتطابقة مع الفطرة، يتجهان نحو هذا بالبديهة والتلقائية، ولو اطلعنا على مصنفات أدب الشعوب من كل الحضارات سيظهر لنا فيها بأن اللين والشدة سلوكيات متجذرة في الإنسان وإنما المفلح من عرف كيف يوازن بينهما.
لن أسوق في هذا المقال النصوص التي تدعو للرفق واللين لأنني قد أكدت ما تثبته هذه النصوص من أن ذلك هو الأصل، وأكتفي بذكر النصوص التي أستدل بها على إمكانية التوجه لاستعمال الشدة من الكتاب والسنة وسيرة المصطفى وسلوك الصحابة والتابعين ومنها:
أولا ـ إن الانتصار من الظالم ورد عدوانه أمر جائز ثابت بكتاب الله وسنة رسوله ولا يدل على نقص في الدين أو الخلق أو المروءة، حتى وإن كان الصبر وعدم الرد أفضل فقد قال الله تعالى:
(( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ( 41 ) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ( 42 ) ) [ ص: 549 ]
((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)) سورة النحل 126
((لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً)) عليماسورة النساء آية 148
وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث حسنه ابن حجر العسقلاني وورد في فتح الباري لعائشة أن ترد بالشتم على زينب بنت جحش لما سمعها تشتم عائشة ونهاها فلم تنته فسبتها عائشة وغلبتها.
وحديثنا الذي وصف بالشديد جاء بعد شتيمتين، الأولى اتهمنا فيها كحركة وكتيار بما ليس فينا بالنظر لقرار المقاطعة التي اتخذته مؤسساتنا، والثانية لتهمتنا فيه شخصيا بالخيانة والعمالة للخارج وبنوعت خطيرة أخرى، ولو الدفاع عن مصلحة أعم من شخصنا قصدناها لصبرنا كما صبرنا على كثير ممن اعتدى علينا من السياسيين والإعلاميين، إذ لا يذكر أنه كان لنا تصرف مماثل من قبل.
ثانيا: نقرأ في كتاب الله تعالى توجيها منه سبحانه لموسى عليه السلام بأن يقول لفرعون قولا لينا لعله يتعظ قال تعالى: (({فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 44], فامتثل سيدنا موسى وقال لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات : 18], فلما أصرّ فرعون على غيه ، قال له موسى : “{وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } [الإسراء : 102] مثبورا: قال ابن عباس: ملعونا, وقال مجاهد: هالكا.
والخاص والعام يعلم أن أسوء ما انتشر في العمل السياسي في هذه المرحلة هو تخوين المعارضة من قبل النظام السياسي ومن هو متحالف معه، وأكثر من ينتهج نهج التخوين هي تلك السيدة المعتدية، وقد وُجِّهت لها ولمن معها نصائح كثيرة بطرق مباشرة، وسبق لها أن وقعت في مشادات كثيرة مع غيرها من السياسيين والإعلاميين ولم تتوقف، فكان لزاما أن يوقفها أحد من الجزائريين، ولا يوجد من يقدر على إيقافها مثل من يرد عليها بدائها ممن يعرف علاقتها بقوى خارجية وعلاقتها بفكر الخارج ومذاهب الخارج. لو لم أكن رئيس حركة تحترم نفسها لا يمكن أن تهان بإهانة رئيسها، ولو وجد من يقدر على ردعها من داخل الحركة لما فعلت أنا بنفسي.

ثالثا: ثبت أن رسول الله، الذي هو نموذج الرفق في القول والعمل، أن شدد في القول على أصحابه فعيرهم بأوصاف سيئة مؤذية كثيرا، مثل قوله لأبي ذر حين عير رجلا بأمه في : (( يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية)) رواه البخاري، ومثل قوله في حق خالد: (( اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد)) في قضية سرية بني جذيمة، ومثل قوله لمعاذ ثلاث مرات : (( أفتان أنت يا معاذ)) حين أطال بالناس الصلاة رواه البخاري، وقوله لحمل عن مالك بن نابغة: (( إنما هذا من إخوان الكهان)) في حديث المرأة التي أسقطت جنينها في صحيح مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام في غير أصحابه أقوالا أشد من هذه فقال في رجل ممن يتقى شره: (( بئس أخو العشيرة)) رواه البخاري، وقال لآخر (( بئس الخطيب أنت)). وهذه كلها أدلة من السنة بأن الإنسان لا يكون على حالة واحدة وقد يتطلب منه الواجب الغضب إلى حد التغليظ في القول. كما أن رسول الله كان يأمر شعراءه وفصحاءه بالرد على المخاصمين مقل قوله لحسان بن ثابت (( اهجهم ورح القدس معك)).
رابعا: سمح رسول الله لأصحابه وأمرهم في بعض الأحيان أن يبالغوا في تشديد القول والرد بألفاظ غير مستساغة عادة تجاوزا للمألوف ـ بشكل مباشر وبلا كناية ـ ضد من يصل تصرفهم حدا خطيرا كالدعوى بالجاهلية وإنكار أمة الإسلام مثلا، مثل ما ورد في الحديث الذي رواه أحمد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ : إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ ؛ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا : ( إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا )). ولا أمضي في شرح الحديث رفعا للحرج. وهي حالة استثنائية قد يجد المؤمن فيها نفسه يتلفظ بهذه الألفاظ حتى يشعر المعني بخطر الموقف وهوله، ولكنها تبقى حالات استثنائية لا يُتأسى بها إذ تغلبها كثرة النصوص التي تدعو للرفق والقول الحسن.
خامسا: وقد عُلم مثل هذه الردود في حالات خاصة عن كبار الصحابة في القضايا الحساسة والخطيرة كاتهامهم بالخيانة مثلا، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه- لما قال عروة ابن مسعود للنبي صلى الله وسلم يوم الحديبية: (إني والله لأرى وجوها وإني لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك).ردَّ عليه أبو بكر – بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم- بغضب: ( امصص ببظر اللات, أنحن نفر عنه وندعه؟!)رواه البخاري. وهو كلام لعمري شاق كتابته وقراءته وسماعه لولا حاجة الاستدلال.
ونحن لم نصل إلى هذا مستوى من الشدة والتجريح في قولنا وحتى كلمة (( قبيحة)) التي لامنا بعض أحبابنا بخصوصها يعلم الله أننا لم نقصد بها قبح الشكل، لأن الشكل هو خلق الله لا يجوز لنا أن نعير الناس به، وإنما قصدنا قبح الفعل كقولنا بالدارجة (( قْبيحة)) بسكون القاف، والعبرة بما يعرفه الله في نيتي ومقصدي وإن فهم أغلب الناس ذلك على قبح الشكل. ولو تطلب الأمر أن نقول قولا غليظا آخر يكون فيه مقصدنا وجه الله وتحقيق المصلحة العامة والانتصار للحق والعدل لفعلنا.
وقد ورد في الأمثال والأشعار كثير مما يؤكد هذا التوجه المتأثر بالنصوص الشرعية وبيئة النبل والشرف والمروءة العربية كقولهم:
وَوَضْعُ النَّدى في مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضعِ النَّدى
وقولهم:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ مشفقاً فليقسُ أحيانا على من يرحمُ

وقولهم:
لعلَّ عتبك محمود عواقبه وربما صحَّت الأجسام بالعِلل

د.عبد الرزاق مقري