من عصر النهضة إلى عصر الأنوار

الحضارة الغربية والمسألة الدينية
4 – من عصر النهضة إلى عصر الأنوار

لو نبحث في تاريخ التحديات التي واجهها الأوربيون في زمن عصورهم الوسطى المظلمة ومختلف الاستجابات التي قام بها زعماؤهم الكبار في مختلف المجالات الدينية والسياسية والفنية والعلمية ليجدوا لهم مكانة في العالم وليمنعوا أنفسهم من ذهاب ريحهم بسبب صراعاتهم وحروبهم الدينية السياسية، ولكي لا تبتلعهم الحضارة الإسلامية بتفوقها في المجالات الدينية التوحيدية والأخلاقية والإنسانية والعلمية والأدبية والسياسية والعسكرية، من الغرب عبر الأندلس، ثم من الشرق عبر الأناضول، لوجدنا في ذلك تشعبات وتعقيدات لا حصر لها.

لقد أدت هذه التداخلات والاضطرابات، بين القرون الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث المشبع بأحداث فترة الأنوار، إلى اختلافات وجدالات كثيرة بين مؤرخيهم وفلاسفتهم من حيث تقسيماتهم الزمنية وحكمهم على التطورات الفلسفية والدينية والمآلات الفكرية والفلسفية. ودون أن نتورط كثيرا في تلك التشعبات يمكننا أن نقول باختصار شديد، بأن أوربا استجابت لكل التحديات الحضارية التي واجهتها على أساس ديني ابتداء، ثم وقع التطور نحو مجافاة الدين، على المستوى العلمي أولا، ثم على المستوى الفلسفي، ثم على المستوى السياسي، ثم على المستوى الاجتماعي.
لا شك أن الشائع في المراجع الأوربية والعالمية أن عصر النهضة الأوربية هو العصر الذي بدأ عند نهاية القرون الوسطى وفَتَح المجال لعودة الأوربيين إلى المصادر الكلاسيكية الإغريقية الرومانية وسمَح بولوج الفلسفة التجريبية (تأثرا بالإنجازات الحضارية الإسلامية) وصولا إلى العصر الحديث ومحطته الأساسية المؤرخة بتاريخ الثورة الفرنسية سنة 1789م.
لقد كان انطلاق عصر النهضة من إيطاليا، وبفلورنسا تحديدا، عند انتقال المراجع العلمية وتحول الباحثين في الدراسات اليونانية إلى إيطاليا بعد سقوط القسطنطينية سنة 1453م. ورغم ربط عصر النهضة بالتطورات الفنية ورموزها الأكثر شهرة في هذا المجال مثل “ليوناردو دا فينتشي” و”مايكل أنجلو” إلا أن هذا العصر هو الذي عرف اكتشافات الثورة العلمية، والاكتشافات الجغرافية، وحركة الإصلاح الديني وما نتج عنها من حروب دينية، وتطورات سياسية عميقة، وتحولات عميقة في الفكر الاقتصادي اتجهت كلها ضد المرجعية الدينية السائدة في القرون الوسطى وتظافرت جميعها بالتدرج لإبعاد الدين عن الحياة فهيمنت اتجاهات الفلسفة العقلانية ثم التجريبية، ثم الإنسانوية والرومنسية التي أنتجت في الأخير عصر الأنوار الذي تُوج وتأثر بالثورة الفرنسية وما حملته من تأثيرات على العالم بأسره، إلى أن وصلت البشرية بعد ذلك إلى عصر الوجودية ثم العدمية لتجد نفسها أمام سؤال الأخلاق والوجود من جديد، بالنظر للمظالم الكبرى التي أنشأتها الحضارة الغربية ضد الإنسان والطبيعة.
غير أن نهضة أخرى كانت قد سبقت نهضة فلرونسا وامتداها إلى سائر أنحاء أوربا، لا يتحدث عنها المولعون كثيرا بعصر الأنوار وإفرازاته العلمانية الوجودية، خصوصا الفرنسيون ومن يتبعهم، وهي النهضة الأوربية الأولى، التي يسميها المؤرخون بالنهضة الكارولنجية الفرنجية الجرمانية. إن النهضة الكارولنجية هي الاستجابة الأولى للتحدي الذي أشرنا إليه أعلاه، وقد انطلقت بين القرن الثامن والقرن التاسع الميلادي حيث وقع تطور معتبر في الأدب والعمارة والأدب والفنون والدراسات الليتورجية الدينية، وبدأت أولى الجامعات في بولونيا وباريس وأوكسفورد وكمبريدج ومودينا وغيرها، وقد شيدت هذه الجامعات في بداياتها على أساس مدارس كاتدرائية تابعة للكنائس المسيحية وفق ما أشرنا إليه في مقال سابق.
في بداية النهضة الكارولنجية ارتبط الحكم الملكي بالبابوية المسيحية، خصوصا بين الإمبراطور شارلمان والبابا ليون الثالث، إذ أضفت الكنيسةُ القدسيةَ على الحاكم وتصرفاته وحروبه، وعند انقسام الامبراطورية الكارولنجية تشكلت ممالك افرنجية أخرى قوية في أوربا أهمها مملكة فرنسا والأمبراطورية الرومانية المقدسة التي هيمنت على أوربا لفترات طويلة ودامت إلى غاية 1806، كما حمت المَلَكيةَ المطلقة الكنيسةُ ودعمتها في نشر المسيحية وسط الشعوب البدوية الجرمانية، ضمن صورة مماثلة لما ذكره ابن خلدون حينما تتحالف العصبية العشائرية مع المبعث الديني لنهضة الدول والأمم. أو ما ذهب إليه مالك بن نبي في حديثه عن نهضة البدو الكارولنجيين الجرمانيين على أساس الفكرة الدينية.
إن هؤلاء الفرنجة الجرمانيين هم الذين أوقفوا الزحف الإسلامي من الأندلس نحو أوربا في معركة بلاط الشهداء بقيادة كارل مارتل جد شرلمان سنة 732م . وفي عهد شرلمان نفسه بدأت حملات الاسترداد في الأندلس في وقت مبكر بعد فتحها. وكانت الملكية الأوربية، خصوصا الفرنسية والإنجليزية والألمانية، المتحالفة مع الكنيسة هي وقود الحملات الصليبية نحو العالم الإسلامي ومدينة القدس مهد المسيح عليه السلام.
غير أن الانحرافات الكنسية في مجالات العلوم والأخلاق واستبداد الملوك الحاكمين باسم الإله، والحروب الدينية، خصوصا بعد بروز الإصلاح البروتستانتي – وقد أشرنا إلى كل هذا سابقا – لم يُبْقِ للديانية المسيحية تأثيرا يسمح لها بأن تكون مصدر شرعية العلم والحكم أو حتى خلفيتهما.
أخذت تطورات عصر النهضة تمتد شيئا فشيئا إلى كل الدول الأوربية على نحو ما ذكرناه أعلاه لتتحول النهضة الأوربية من مرجعيتها الدينية إلى مخاصمة الدين، وقد تجسدت هذه المخاصمة أكثر في عصر الأنوار وما بعده على نحو ما ذكرناه في المقال الأخير من “سلسلة الحضارة الغربية والمسألة الدينية”. ولكي نستمر في الحديث عن التطورات الفلسفية والعلمية نشرع في الحديث عن عصر الأنوار ونؤخر الحديث عن التطورات الدينية والسياسية والاقتصادية التي سبقته إلى مقالات لاحقة.
لقد كانت المساهمات التي قدمها رواد الثورة العلمية والفلسفية في عصر النهضة وخصوصا في النصف الثاني من القرن السابع عشر، مثل ديكارت ونيوتن وجون لوك وهيوم وسبينوزا، حاسمة في زعزعة الحتميات الكنسية الخاطئة في مجال العقائد الدينية والعلوم الطبيعية وعلاقة الإنسان بمحيطه وحقوقه وواجباته، فكان ذلك هو مقدمة عصر الأنوار في القرن الثامن عشر الذي أصبحت فيه الجرأة أعظم في مواجهة الخرافات والاعتباطية والتطرف والاستبداد الديني والسياسي.
برز في هذا العصر عدد معتبر من الفلاسفة الذي اعتبروا أنفسهم نخبا متميزة ومستنيرة حملت على كاهلها محاربة الظلامية والتسلط الديني والسياسي وإعادة إنتاح العلوم والفنون ومفهوم الأخلاق، ووضع معايير جديدة لتسيير الإنسان نفسه وتسيير الشأن العام من غير المعايير الدينية القديمة. لقد أخذ دين جديد يتشكل، ب”أنبياء” لا يؤمنون بالأنبياء، و”كتب مقدسة” جديدة لا تؤمن، أو على الأقل لا تهتم، بأي كتاب مقدس.
وبالرغم من أن عددا معتبرا من فلاسفة الأنوار الكبار كانوا قريبين من ملوك أوربيين، ومنهم من أصّل لفكرة “المستبد المستنير” – كما سنبينه لاحقا – ولم يكونوا في معظمهم ثوريين فقد أدت كتاباتهم إلى وقوع تحولات ثورية عظمى منها الثورة الأمريكية ووثيقة الاستقلال سنة 1776 والثورة الفرنسية سنة 1789، فلم ينته القرن الثامن عشر حتى أخذت الحضارة الغربية ملمحا جديدا صارت فيه المعايير الدينية المسيحية ثقافة دنيا يُسيّر بها العوام، محكومة بثقافة عليا من وضع الإنسان هي القائدة في الشأن العام، وبالرغم من ردود الأفعال الفلسفية الأوربية والأمريكية المناهضة لتطرف فلسفة الأنوار تشكل العالم الجديد الذي نعيشه بكل ملامحه الحضارية العلمية والإدارية المذهلة، غير أن التعويضات التي حاول العالم المادي الجديد وضعها في الجوانب الإنسانية الفردية والاجتماعية لم تتوصل إلى بناء عالم رحيم وعادل، لم يكن عقلانيا في آخر المطاف. وهي الأزمة البشرية التي حاول دراستها أبو الحسن الندوي في كتابه ( ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين)، وهي كذلك “الأزمة الخطيرة التي يعيشها العالم المتحضر اليوم” التي طرحها مالك ابن نبي في كتابه “دور المسلم ورسالته” حين تطرق إلى فشل تعويضات الحضارة الغربية في بناء مسوغات جديدة للحياة وغياب البديل بسبب تخلف من بيدهم البديل، أصحاب الديانة الخاتمة الخالدة.
سندرس في المقال المقبل بحول الله أسس فلسفة الأنوار، ثم نعرج على التعريف بأهم روادها، ثم نتطرق إلى الوسائل التي استعملها هؤلاء لنشر أفكارهم. ونكون بذلك قد أنهينا التطورات الفلسفية للحضارة الغربية، وبعد ذلك نرجع إلى الوراء لنتابع التحولات الدينية والسياسية والاقتصادية التي شكلت العالم الجديد الذي تهيمن فيه الحضارة الغربية، بتأثير متبادل مع التطورات الفلسفية، ثم نقيّم نتائج تلك التطورات كلها على الإنسان ومحيطه لنتلمس في الأخير مستقبل البشرية ضمن التدافعات الحضارية القائمة.