عقلية ” التحكم” عند الحاكم في الجزائر

يسأل كثير من الناس لماذا بقيت الجزائر متخلفة ولم تحقق نهضتها رغم الإمكانيات الضخمة التي توفرت لها بالنظر للموارد الطبيعية الوافرة والخصائص الجغرافية المتميزة، ورغم المكانة الكبرى التي حظيت بها بسبب سمعة ثورتها الكبرى ووقوفها الطويل مع الشعوب التواقة للتحرر.

إن السبب هو، في المجمل، الذهنية الأحادية والنظرة الفوقية الأبوية والنزعة السلطوية لدى الحكام وما يتبعها من حرص على الجاه والمنافع. غير أن ثمة، على الخصوص، صفة انبثقت عن كل هذا، صفة موجودة عند كل الحكام المستبدين، ولكنها مضخمة جدا عند حكام بلادنا. إنها عقلية “التحكم”، الرغبة في التحكم المطلق في كل شيء.

قد يكون الحاكم مستبدا، ولكنه لا ينزع بالضرورة إلى التحكم المطلق في الغير إن كان قويا، يثق في نفسه، وعنده حد مقبول من الكفاءة والقدرة على كسب تقدير واحترام مخالفيه، فيترك هوامش من المجتمع تتحرك بحرية حتى يتطور البلد، ويجد فيه الناس أملا للعيش الكريم ولو بعد حين.

ولكن حينما يكون المستبد ضعيفا لا يثق في نفسه، يصبح يخاف من كل شيء ومن الجميع فينزع إلى عقلية ” التحكم”.إن عقلية التحكم تصبح مدمرة لكل أساسات المجتمع والدولة إذا تحولت إلى ظاهرة مرضية لدى الحاكم يستعملها كأداة أساسية للحكم. لا يصلح معها اقتصاد ولا سياسة ولا اجتماع ولا ثقافة ولا فن ولا رياضة ولا جوار ولا مكانة دولية، وأخطر ما فيها انغلاق الأفق وفقدان الأمل في المستقبل لدى المواطنين.

لقد رأينا في زمان مضى في الجزائر ظاهرة خوف الحاكم من المخالف، أما اليوم فإن خوف الحاكم صار من المجهول الذي لا يُعرف توجهه. وحينما يكون الأمر هكذا لا يمكن لشيء أن يتطور في البلاد. لقد تم التحكم اليوم كلية بمخرجات الشأن السياسي وفرضت موازين قوة حامية للنظام السياسي بشأنه، بواسطة المنظومة الدستورية والقانونية التي فرضت بالأمر بالواقع، وبالتزوير الانتخابي الذي صار مجال الإبداع الأعظم لدى الحكام وأعوانهم وأحزابهم ومنظماتهم وإطاراتهم.

وبسبب الرغبة في التحكم في الموازين السياسية أبديا توسعت مجالات التحكم في كل المجالات الحيوية والثانوية في الجزائر. فلو ضربنا المثل بالمجال الاقتصادي لوجدنا أن سبب صعوبة تطوره، رغم وضوح منظومات ومجالات التطوير فيه ورغم ما تحقق من إنجازات على صعيد البرامج، هو عقلية ” التحكم”. يكفي أن ندرك بأن الجزائر لا تستطيع النهوض دون عدد معتبر من المؤسسات ذات الإنتاج والجودة والنوعية في مختلف المجالات الفلاحية والصناعية والخدمية، وأن الوصول إلى هذه الحالة النوعية والعددية في كل أنحاء الوطن مستحيل بوجود عقلية ” التحكم” لكي ندرك خطورة عقلية ” التحكم” على الاقتصاد الوطني.

ذلك أن المسؤول الجزائري لن يسمح لرجل أعمال أن يكبر إن لم يكن يعرفه تمام المعرفة، على صعيد أفكاره وميولاته وانتماءاته السياسية.

لا يكفي في الجزائر أن يُشكّ في رجل الأعمال بأنه معارض سياسي ليتم تحطيمه أو عرقلته، يكفي أن لا يكون معروفا فقط لكي يحدث له ذلك. يستطيع أن يكون المعارض، أو المشتبه فيه بهذا الشأن، تاجرا صغيرا في حي أو حارة، ولكن لا يستطيع أن يكبر أبدا. ربما الاستثناء في مسار التاجر صاحب الانتماء الفكري أو السياسي هو حينما يتورط بالانتماء لشبكات الفساد، والزبونية، أو شبكات الأيديولوجيات الممكّنة التي تجاوزت قوتها قدرة الدولة على التحكم وصارت هي كذلك جزء من الحكم منخرطة في صراعات الأجنحة القائمة ومشاركة في توسيع عقلية التحكم!

إنه حينما يصبح التاجر ورجل الأعمال حالة اقتصادية يُعرف عند الدولة بمدى احترامه للقانون والالتزام الضريبي ونفع التنمية فحسب، دون النظر إلى انتمائه، عندئد يمكن أن تنبت المؤسسات الاقتصادية في كل أنحاء الوطن وجهاته فتساهم في توفير الشغل للناس وفي غنى الدولة ورفاه المجتمع. إنه لا مجال للتنمية دون حرية اقتصادية في إطار قوانين المنافسة الحرة العادلة.

وحينما نفهم هذا نفهم لماذا قامت السلطات بتلك الإجراءات الضريبية الجنونية التي تجاوزت كيفياتها ومقادريرها كل المعقول، على المواد البسيطة التي يشتريها المواطنون عبر قنوات التجارة الإلكترونية، بما أنشأ ردود أفعال واسعة في الشبكات الاجتماعية صاحبتها أساليب سخرية “مُضحِكة” جعلت السلطات ” مَضحَكة” بين الناس. إنها عقلية “التحكم”، لم يتقبل الحكام أن يتحرر الجزائريون في البيع والشراء عبر قنوات الأنترنت فأرادوا قطع الطريق على الجميع برسوم عالية جعلت الجزائري يشتري ما يريد عبر الأنترنت مرتين، بل عليه أن يدفع ثمن الهدية المجانية التي تأتيه من قريب أو صديق. ولو كان تبرير السلطات بمنع المضاربات والغش صادقا لأبدعوا إجراء قانونيا وضريبيا عادلا لا يعطل حركة التجارة والتعاملات الالكترونية ولا يضر بكل المواطنين على السواء.

إنها عقلية التحكم لا غير.وما يصيب الاقتصاد يصيب كل شيء، لا يستطيع جزائري أن يكون قويا ومبدعا وناجحا ومتألقا، في أي مجال من المجالات، ما لم يكن معروفا عند السلطات بأنه شخص بلا فكر حر ولا تفكير مستقل ولا يمكن أن يكون معترضا على النظام الحاكم وتوجهاته بأي حال من الأحوال، في الحين أو في المستقبل.

إن أي رجل أعمال، أو عالم، أو سياسي، أو ناشط اجتماعي، أو إعلامي، أو فنان، أو رياضي، لا مستقبل له، ولا يمكن أن يكبر ويشتهر ويزدهر ويقوى أو يدوم مجده في الجزائر ما لم يُعرِّف نفسه للنظام الجزائري بأنه تابع أو تافه .. وهيهات للتابع أو التافه أن يكبر!

المقال المقبل: عقلية “الشك” عند الحاكم في الجزائر.

د. عبد الرزاق مقري