الفقر في الجزائر وجدل الانتهازيين والعدميين

جدال عقيم قائم هذه الأيام بين الانتهازيين والعدميين حول الوضع الاقتصادي الجزائري بمناسبة صدور قرار البنك الدولي الأخير.الانتهازيون الذين ربطوا مصيرهم بثقافة “الشيتة” يدافعون عن رؤية السلطة الحاكمة التي لا تتحمل أي نقد لها وتعتبر أي تقرير سلبي لأدائها مؤامرة خارجية ومن ينقدها منقوص أو فاقد الوطنية وهي لا تدرك أين تتجه بالبلاد.

والعدميون الذين لا برنامج لهم سوى انتظار سقوط النظام، ولا هم لهم سوى تخوين وتسفيه كل من يخالفهم، يعتقدون أن مؤشرات البنك الدولي انتصار لهم وهم لا يدركون أين يتجه البلد برمته، سلطته ومعارضته، وحكامه وشعبه.

إننا لسنا في حاجة أن نحلل أرقام البنك الدولي لنعلم أن هامش الفقر يتسع يوما بعد يوم في الجزائر. من منا لا يعرف ما أكدته مؤشرات الديوان الوطني للإحصاء بأن معدل البطالة يتجه ليصبح برقمين؟ وأن معدل أجور أغلب العمال الجزائريين هو في حدود 40000 دج؟ ومن منا لا يعرف بأنه لم يصبح البطال فقط هو الفقير؟

بل إن عموم العمال الجزائريين هؤلاء أصبحوا فقراء بحكم انهيار أسعار الدينار وغلاء المعيشة، وهؤلاء أعدادهم بالملايين.

إن المعضلة اليوم تجاوزت النقاش حول توجيه الدعم الاجتماعي للفقراء، فأصبح المشكل هو تعريف من هو الفقير، لأن أغلب الأجراء الذين يأخذون 40000 دج شهريا، و أقل (أو ربما أكثر إذا كان معها مشكل السكن)، أصبحوا محتاجين وأن إزالة الدعم سيتضرر منه هؤلاء الذين لا يُعتبرون فقراء عند الحكومة.إن الذين استشاطوا غضبا ( أو تظاهروا بذلك!) من تقرير البنك الدولي، عليهم أن لا يهتموا بالدول التي يقولون أنها فقيرة ولم تذكر في التقرير ( والتقرير خاص بالجزائر)، عليهم أن يخافوا من أن تتجه الجزائر لتصبح مثل هذه الدول التي ذكروها.

إن فبركة الأرقام أو إخراجها عن سياقها، التي يشتغل عليها الانتهازيون، لن تغني في إخفاء صورة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه الجزائر، لقد عبر عنه السيد رئيس الجمهورية بنفسه في آخر لقاء له مع الصحافة، كما أن الخبراء الجزائريين أنفسهم يؤكدون بأن وضعنا خطير، ويكفي لمن يريد تقارير جزائرية أن يطلع على المقال العلمي الرصين المعتدل الذي نشره البروفيسور الخبير عبد الرحمن مبتول قبل يومين في وسائل الإعلام حيث ختمه بأن “الجزائر لا تزال هي سونطراك، وسونطراك لا تزال هي الجزائر”، وأن السنة المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب الكارثة.ولكن، هل الانهيار هو قدرنا؟ بكل تأكيد ليس ذلك قدرا مقدورا، نعم ليس قدرنا أن ننهار وندخل في أزمات لا نخرج منها، نستطيع أن نكون دولة قوية وبلدا مزدهرا وشعبا كريما، هذا الذي تقوله حركة مجتمع السلم وهذا الذي لا يعجب العدميين أن نقوله.

لقد عرضت حركة مجتمع السلم الحل بشكل واضح فبينت مرات ومرات بأن لا حل سوى التنمية الاقتصادية التي تقوم على أساس المؤسسة الاقتصادية بالقدر الكافي والمستوى المطلوب في مختلف المجالات على نحو شرحناه بالتفصيل في برنامجنا ومداخلاتنا، بما يوفر الشغل وينتج الثورة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال توفير بيئة سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية تقوم على أساس دولة القانون والحرية والعدالة والشفافية والمحاسبة والرقابة على الشأن العام بعيدا عن سياسات التحكم والسيطرة وعقلية “ما أريكم إلا ما أرى”.

– ليست قاعدة الحل في المعالجات المالية بين الواردات والصادرات لمكافحة عجز الميزان التجاري دون أداء اقتصادي ناجح. وليس الحل في تخفيض قيمة العملة لمواجهة تراجع مداخيل المحروقات دون قدرة على التصدير المكافئ خارج المحروقات، بما يتسبب في تهاوي القدرة الشرائية للمواطن.- إن الحل في عدم السماح للفساد أن يعيد تشكيل نفسه، كما نراه يفعل في العديد من القطاعات والمجالات، ولا يمكن للفساد أن ينكسر نهائيا دون ضمان الحريات ووجود أحزاب قوية تعتمد بعد الله على الشعب وحده في بناء نفسها وضمان مستقبلها، ومجتمع مدني حقيقي في خدمة المجتمع فعلا، ومؤسسات إعلامية حرة، وقضاء سيد ومستقل.

– وللوصول إلى ذلك اقترحت حركة مجتمع السلم مشروع “التوافق الوطني” الذي تشترك فيه القوى السياسية في القرار والبرامج وفي تحمل الأعباء من أجل تحقيق القدر المطلوب من الشفافية ورشاد الحكم، ولضمان الاستقرار الذي يساعد الحكومة على تنفيذ مخططات وقرارات التنمية الضرورية للإقلاع، و تشجيع الاستثمار وجلب رؤوس الأموال الضرورية لذلك، وبما يمنح الوقت اللازم لظهور ثمار التنمية.

وبالرغم من أن هذا المشروع حورب من العديد من القوى المتناقضة فيما بينها (التي كان أسوءها التي لا تعيش إلا بثقافة التحكم أو بممارسات الانتهازية أو ثقافة العدمية) ، لا تزال حركة مجتمع السلم تؤمن، وهي في المعارضة، بأهمية التوافق على المشترك الوطني.

إنه لا يوجد حل سوى هذا، وهو الحل الذي سيعود إليه الجميع، وكلما تأخر زادت احتمالات الانهيار ، وهي الاحتمالات التي ستكون مهلكة للجميع، حكاما ومحكومين، وستكون مهلكة بكل تأكيد لشبكات الانتهازية، لأنها فضلت مصالحها على مصلحة الوطن وساهمت في تسارع التهاوي، وستكون مدمرة لشبكات العدمية لأنها لم تقدم في الوقت المتاح ما ينفع البلاد، وربما ساهمت في الانهيار لا قدر الله.

عبد الرزاق مقري