أفغانستان: أفول الإمبراطورية الأمريكية وفرص الأمم الحية

هناك مقولة مشهورة للجنرال الفيتنامي فون ناوين جياب مفادها: “الاستعمار تلميذ غبي لا يفهم الدرس”.
هذه المقولة تتجلى في صور خروج الجنود الأمريكيين العاجل من أفغانستان ومعهم آلاف من العملاء الأفغان العسكريين والمدنيين، متكررة لما حدث للجيش الأمريكي وهو خارج من فيتنام، وما حدث للجيش الفرنسي وهو ينقل جنوده ومعهم مئات الآلاف من الأوربيين المدنيين، والعملاء الجزائريين الفارين بجلودهم.

إن الصورة الخضراء بالتصوير الليلي لآخر عسكري أمريكي يغادر أرض الأفغان معبرة جدا وهي تطوف على كل وسائل الإعلام العالمية، إنها صورة تدل على مصير الاحتلال الأجنبي مهما طال الزمن، وهي بالإضافة إلى ذلك تدل على بداية أفول الإمبراطورية الأمريكية وبداية بروز عالم جديد يكون للأمم الأخرى الحيّة حظ للصعود وصناعة المجد.

لم يُخف الرئيس الأمريكي بايدن خسائر بلده وهو يقنع مواطنيه بضرورة التسليم بالهزيمة قائلا: “لا يمكن أن نكسب الحرب في أفغانستان” بل كرر مقولة مأثورة عن أفغانستان: “إنها مقبرة الغزاة”.

أخبرنا الأمريكان أنفسهم بأنهم خسروا الكثير على مدى قرابة 20 عاما، حيث وصل عدد قتلى الجيش الأميركي في أفغانستان 2448 جنديا، حتى أبريل 2021، كما قُتل خلال ذات الفترة نحو 3846 من المتعاقدين الأميركيين، ووصل عدد الإصابات إلى 20660 من الجنود أثناء القتال، وبلغت الخسائر البشرية من عناصر الدول الحليفة وحلف الناتو 1144 قتيلا. وعلى المستوى المادي بين “مشروع تكاليف الحرب” في جامعة براون ألأمريكية أن الولايات الأمريكية المتحدة أنفقت تريليوني دولار، وعلى حد تعبير وكالة “أسوشييتد برس”، فإن الولايات المتحدة كانت تقترض الأموال لتغطية تكاليف حرب أفغانستان، ما يشير إلى أن أجيالا من الأميركيين سيُثقل كاهلها لسداد تكلفتها، وحسب تقديرات أمريكية مختصة من المتوقع أن تصل تقديرات فوائد قروض الولايات المتحدة من أجل الحرب بحلول سنة 2050 إلى 6.5 تريليون دولار. وهذا علاوة على الخسائر الأفغانية في الحرب التي وصلت إلى مقتل قرابة 66 ألف أفغاني من الجيش والشرطة، و111 ألف مدني على الأقل وفق بعثة الأمم المتحدة، علاوة على عمال الإغاثة والصحفيين.

حينما قررت أمريكا غزو أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بنت قرارها على تِعلّة كاذبة تتعلق بملاحقة الإرهاب الذي صنعته ووظفته استخباراتها، وإنما كان الهدف الحقيقي خيرات أفغانستان وممرات الطاقة والتمركز في وسط آسيا لمراقبة الصين وروسيا عن قرب.

كانت هذه الحرب خاسرة منذ بداياتها أمام شعب مصر على قتال المحتل كعادته، تمظهر في هذه الفترة في ظاهرة طالبان، وكانت الهزيمة قد حلت بأمريكا قبل مجيئ بايدن، ولكن الرؤساء من قبله كانوا يخفونها، طمعا في إعداد وضع سياسي تابع لهم بعد خروجهم، يخفف عنهم وطأة الاعتراف بالهزيمة، ويحقق لهم، ربما، مكاسب بعدية. يقول الصحفي في الواشنطن بوست كريغ وايتلوك: “تظهر المقابلات والوثائق، التي لم ينشر منها الكثير سابقا، كيف أخفقت إدارة الرؤساء جورج بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب الحقيقة لعقدين، كانوا يخسرون الحرب ببطء رغم دعمهم لها بصورة جارفة، وبدلا من الاعتراف اختار القادة السياسيون والعسكريون دفن أخطائهم وترك الحرب تمضي على غير هدى”.

لقد كان كل رئيس من رؤساء أمريكا يعلم بأنهم انهزموا في أفغانستان، كما انهزموا من قبل في فيتنام وفي العراق. ولكن كان كل رئيس يترك خزي إعلان الهزيمة للرئيس الذي يأتي بعده. وحينما جاء بايدن للحكم وجد أمريكا مريضة قد فقدت سلطتها على العالم، في داخلها تحول التنوع الذي كان يمثل ثراء في الحلم الأمريكي إلى كابوس مزعج، وإلى صراعات داخلية وتمزق عرقي بات يهدد استقرار أمريكا ويجرها إلى الأسفل، وزادت أزمة الرأسمالية المالية من توتير الجبهات الاجتماعية وتعميق الفروق في الشعب الواحد، وصارت القدرات المالية اللامحدودة غير قادرة على الإنفاق على التوسع الامبراطوري العالمي – وكأننا نعيش العهد الأخير للامبراطورية الرومانية وما شابهها عبر التاريخ – وظهرت قوى دولية وإقليمية جديدة تزاحم النفوذ الأمريكي في كثير من أرجاء العالم، وتغلبه في كثير من الأحيان.

أعطى أوباما سنة 2014 وهما بأن أمريكا ستخرج من أطول حرب في تاريخها بطريقة مسؤولة، وأن قواته تقوم بمهام غير قتالية، وأعلن ترمب صراحة بأن أمريكا لا بد أن تخرج من أفغانستان ودشن بنفسه المفاوضات مع طالبان، ولكن لم يستطع الجيش الأمريكي في حكميهما التوقف عن القتل في صفوف الأفغان، بالضربات الجوية التي لم تقض في الغالب إلا على الأطفال والنساء، كما أن توابيت الجنود الأمريكيين لم تتوقف عن السفر نحو مثواها الأخير في بلادها.

حاول بايدن دعم المفاوضات مع طالبان ليتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأفغاني أشرف غني ليكون خروج أمريكا بعد إنجاز سياسي كبير ربما يُختَم بحفل في العاصمة الأفغانية تُقدِم فيه الأطراف الأفغانية المتصارعة الشكر لأمريكا، ويطوِي قائدٌ عسكري أمريكي علم بلاده ضمن مراسيم العظمة والموسيقى العسكرية الاستعلائية الهوليودية، ولكن ذلك لم يحدث!
كانت طموحات أشرف غني كبيرة في البقاء في الحكم مع إمكانية إشراك طالبان في الحكومة مشاركة شكلية بعد تسليم سلاحها، فرفع سقوف اشتراطاته، غير أن سوء تقديره لحاجة أمريكا إليه أسقطه من شرفات غروره.

أعلن بايدن صراحة قرفه من هذه الرئيس الذي صنعوا له دولة وأنفقوا عليه مليارات الدولارات ودربوا جيشه وحموا قصره. لم يدرك أشرف غني بأن أمريكا تريد الفرار بجلدها وأن كل ما تريده منه أن يوفر لها خروجا آمنا وربما مشرفا، فلما اعتقد بأن أمريكا ستبقى رغما عنها لحماية مصالحها فسدت كل حساباته.

كل الدراسات وتقارير مراكز الاستشراف كانت تشير إلى اقتراب خروج نهائي لأمريكا، ولكن أشرف لم يقرأها هكذا، فما إن تأكد من حوله بأن أمريكا قررت الخروج تهاوت دولته التي كان يسيرها بالفساد والمناورات، واتضح بأنه لا رابط من عقيدة دينية أو قومية أو وطنية تجمع من في الإدارة والجيش من الأفغان، فاستسلم أغلبهم لطالبان والتحقوا بهم، وترك الخدمة كثيرهم، وفر بعضهم إلى المطار رابطا مصيره بالمحتل، والتجأ بعضهم إلى وادي بانشير موقع الصداع القديم الجديد لطالبان.

لقد تصرف أشرف غني ومن معه كتصرف المستوطنين الأوربيين و”الحركى” (الخونة) الجزائريين حينما رفضوا قرار ديغول الخروج من فرنسا بعدما أدرك هزيمة بلاده فقرر التفاوض على استقلال الجزائر، حاولوا المقاومة وتحولوا إلى كيانات إرهابية عبر المنظمة المسلحة الخاصة وفي الأخير خسروا كل شيء إذ خرجوا عن بكرة أبيهم من الجزائر وخسرت معهم فرنسا لأنهم حرموها من خروج هادئ تزين به صورتها في العالم، أو ربما يبقون في الجزائر كقوى شعبية كبيرة تديم فرنسا بهم وجودا جزئيا على الأرض.

مثّل خروج أمريكا من أفغانستان وجها من وجوه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المتخوفة من الصعود الثابت والشامل للصين في الريادة العالمية، والعودة الصارمة لروسيا. كانت أمريكا تتمنى لو يكون خروجها محسوبا فتترك من يضمن مصالحها ويديم وجودا بالوكالة خالصا لها في قلب آسيا الوسطى لمواجهة غريميها الصين وروسيا ولكن ذلك لم يحدث، ولم تصبح حجة بايدن أمام النخب الأمريكية مقبولة بأن أمريكا خرجت من أفغانستان حتى لا تُستنزف في مواجهة المخاطر الجديدة، إذ قال له قومه لقد سلّمتَ أفغانستان للإسلاميين والصين وروسيا وإيران وباكستان وربما تركيا. ولا أخاله إلا قد حفظ ما يمكن المحافظة عليه بقراره الشجاع، ضمن حالة صراع محمومة بين الأمم لكسب صداقة سادة أفغانستان الجدد بالنظر للأهمية الاستراتيجية لهذا البلد، والرسائل الإيجابية التي أرسلها قادة طالبان إلى العالم والشروع في التفاوض المباشر مع دول جوار، إضافة إلى استمرار التفاوض مع قوة الاحتلال المغادرة.

حين جاءت أمريكا بعساكرها لمنطقة الشرق الأوسط كان خصمها الأول هو الخطر الأخضر، أو الحضارة الإسلامية على حد قول صامويل هنتنتن في دراسته الشهيرة “صدام الحضارات” وكان صعود الحركات الإسلامية في الحياة الاجتماعية والثقافية، وفي الانتخابات في العديد من الدول الإسلامية والعربية هاجسا لأمريكا تخشى أن يغير الأنظمة التابعة لها في العالم الإسلامي والعربي، لم تنجح أمريكا في التحكم في صعود الهوية السياسية الإسلامية في عدد من بلاد العجم، بشكل أو بآخر، ولكنها نجحت في ذلك، إلى الآن، في العالم العربي بدعم حلفائها الأوربيين وعملائها العرب.

لم تنتبه أمريكا كثيرا، أثناء صراعها من أجل الحفاظ على الأمر الواقع في المنطقة العربية خدمة لمصالحها وحماية الكيان الصهيوني، لصعود الصين العظيم اقتصاديا وعبر مشاريعها الاستراتيجية الدولية الكبرى، وانتماءاتها الكونفوشيوسية، ونموذجها الأيديولوجي البديل، رغم تحذيرات العديد من الكتّاب ومراكز الدراسات الأمريكية، كما فوجئت بعودة روسيا بقوميتها السلافية وحضارتها المسيحية الأرثذكسية الشرقية وباستحضار أمجادها القيصرية، وكوابيسها السوفياتية. وفي نفس الوقت خرج عن الطوق، أو تحاول ذلك، قوى إقليمية إسلامية حيّة وطَموحة، كتركيا وإيران وباكستان وماليزيا، كما أصبحت حليفتها أوربا مثقلة بالأزمات الاقتصادية والتمزقات الاجتماعية تبحث عن مصيرها بعد ظهور أماراة الأفول الأمريكي، بل إن الربيب الصهيوني صار يقيم أحلافا جديدة في المحيط العربي دون إذنها، وتتوجه أموال الشبكات المالية اليهودية العالمية للاستثمار في بلاد الحزب الشيوعي الصيني أكثر من ذي قبل.

لا يعني هذا الحديث أن أمريكا ستسقط فورا، ليس هذا شأن الامبراطوريات، وإنما هو حال الدول الضعيفة الهزيلة التي تسقط فجأة كالثمرة المارقة المثقلة بالعفن من عرفها. إن أفول أمريكا هو الأفول الامبرطوري الذي بدأ كي لا يتوقف عبر مراحل من الزمن.

لقد أحسن بول كينيدي الوصف – وغيره كثير من الكتاب – في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى” حين شبه أمريكا بما أصاب دولا عظمى قبلها، توسعت كثيرا فاضطرت للإنفاق أكثر من طاقتها للحفاظ على وجودها ونفوذها فكانت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية سببا في تراجعها إلى أن أصبحت دولا عادية وخلَفها في الريادة الدولية، أو شاركها، غيرها.

حين ننظر إلى المؤشرات الاقتصادية وحدها، نرى بما هو قابل للقياس بأن أمريكا تتراجع في ميدان السباق الدولي، سواء ما تعلق بمعدلات النمو، ونصيبها في الإنتاج العالمي، وحصتها في التجارة الدولية، وقوتها التنافسية، ووضع الإنتاجية، وحجم النفقات، ومستويات الادخار، وتقلبات قيمة الدولار والثقة فيه كوسيلة للتبادل العالمي، كل ذلك في تراجع مستمر، خصوصا في مواجهة الصين التي قررت أن تكون القوة الاقتصادية الأولى سنة 2030، و ربما القوة العسكرية الأولى سنة 2040. وحتى وإن لم تكن هي كذلك وحدها، سيكون مجموع القوى الحية الصاعدة في منظمة دول شنغهاي للتعاون هي من يقضي على الهيمنة الأمريكية نهائيا، خصوصا حين تطبق هذه الأمم فعليا قرارها بالتخلي عن الدولار الأمريكي في التعاملات المالية بينها.

للأسف الشديدة هذه الفراغات الشديدة التي تركها التراجع الأمريكي لا توجد فيها دولة واحدة من العالم العربي، لا توجد فيها دولة واحدة من هذه الدول الخائبة، رغم مقدراتها الهائلة من حيث الموارد الحضارية والطبيعية والبشرية والجيوستراتيجية. والغريب في أمر هؤلاء الفاشلين الفاسدين، وحلفائهم من النخب المستلبة، أن أكثرهم حزن لانتصار طالبان وهزيمة أمريكا في أفغانستان أكثر من حزن الرئيس الأمريكي بايدن نفسه. لقد حزن هؤلاء لأنهم تعودوا مهنة الحاجب الحارس على المصالح الأمريكية في بلدانهم، وحين لم يصبح لأمريكا مصالح كبرى عندهم تركتهم ينتحبون. لم يفهم هؤلاء أبدا أن هذه الهزيمة الأمريكية في أفغانستان هي فرصة لمن كان حيا من الأمم إذ هي حالة رمزية تدل مرة أخرى بأن أمريكا لم تصبح قادرة على منع صناعة النجاح والنموذج في أي دولة في العالم.

حين قرر صاحب القرار الأمريكي الخروج من أفغانستان لم يستشر حلفاءه الأوربيين ولم يأبه بعبيده المنفصلين عن هويتهم ووطنيتهم في أفغانستان وفي البلاد العربية والإسلامية. غير أن الأوربيين فهموا الدرس فورا فاجتمعوا في لقاء غير رسمي لوزراء الدفاع الأوربي في الثاني من شهر سبتمبر ناقشوا فيه مشروع قوة دفاعية مشتركة ليعتمدوا على أنفسهم على إثر أحداث أفغانستان فقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي جوزيف بوريك في الاجتماع قولا معبرا عن كل ما نقوله في هذا المقال: “هناك أحيانا أحداث تُحفز التاريخ وتُحدث انطلاقة، وأعتقد أن أفغانستان واحدة من هذه الحالات” وقال: “نطمح إلى تقديم الخطة للاتحاد خلال الأشهر المقبلة وأحداث أفغانستان عجلت بالأمر، الحاجة لدفاع أوروبي أكثر قوة باتت جلية أكثر من ذي قبل”.

أما حكامنا في العالم العربي كله فإن مستواهم الحضاري، وحالتهم النفسية والفكرية والأخلاقية، لم تؤهلهم لفهم ما فهمته الأمم الحية الصاعدة إزاء الأفول الأمريكي، وما فهمه الأوربيون حلفاء أمريكا، بل ما فهمه الصهاينة أنفسهم، وبقوا في تيههم يتنافس بعضهم على دعم بني صهيون بالتطبيع والخيانة علهم يتقربون بدولة الكيان إلى أمريكا التي باتت منشغلة بنفسها، يواصلون الصراعات بينهم ويغذون العداوات، يشغلون مواطنيهم بالأوهام والخلافات والأزمات وخيبات الأمل وقطع آفاق المستقبل، مواطنيهم، لا هم لهم سوى كسر المعارضين، ولو في إطار القانون، و تحجيم الحركات الإصلاحية صاحبة مشروع إحياء الأمة، لا تشتغل عقولهم إلا من أجل ضمان نصاب البقاء في الحكم.

فاللهم اهدهم يا رب، وإن هديتهم فصلحوا وأصلحوا فاجعلنا عونا لهم وخذ منا وزد لهم ليقووا على الخير، وإن لم يكونوا أهلا للهداية فاللهم أرحنا منهم بما شئت، ولا تجعل لهم علينا سلطانا واجعل الصالحين منا هم الوارثين، واجعلنا من هؤلاء الصالحين المصلحين ..آمين.

د. عبد الرزاق مقري