في الرد على منكري السنة

طلب مني أحد الأفاضل كان في حوار مع أحد منكري السنة الذين يقولون بأنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن أن اكتب له ردا على ما يقولون فكتبت له ما يلي:

1- يقول الله تعالى في سورة الحشر: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ -7-)): هل يعقل من الناحية العقلية والمنطقية أن يأمرنا الله باتباع ما أتانا من رسوله واجتناب نواهيه عليه الصلاة والسلام ثم بعد ذلك لا نجد شيئا يأتينا به هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، هل يأمرنا الله باتباع الفراغ واللاشيء، هل الله يلعب وليست له قدرة – سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا – على حماية ما صح من أقوال وأفعال من أمرنا باتباع ما يأمرنا به.

2- يقول الله تعالى في سورة آل عمران: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ – 31)): ماذا يقول الذين يقولون نؤمن بالقرآن فقط حينما يقرؤون هذه الآية التي يأمر فيها الله رسوله بأن يقول للمؤمنين اتبعوني إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ويغفر ذنوبكم، كيف يتبعونه وهم ينكرون كل أقواله وأفعاله التي جاءت في السنة النبوية الصحيحة. هل الله يلعب مع رسوله ومع المؤمنين يأمرهم بشيء غير موجود في كل زمن وفي كل عصر. هل القرآن هو فقط للصحابة الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

3 – يقول الله تعالى في سورة النساء : ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) )) : وهذه آية خطيرة على الذين يقولون بأنهم يؤمنون بالقرآن فقط، الله تعالى يأمرهم أن يعودوا إلى رسوله في ما اختلفوا فيه وأن يقبلوا حكمه عليه الصلاة والسلام براحة نفس ولا حرج، كيف نعود إلى رسول الله إذا كنا لا نؤمن بسنته الصحيحة والعياذ بالله، ونعتبر بأنها غير موجودة.

4 – ألا يشعر الذين يتبعون هذه الأفكار الباطلة بأن إنكار السنة هو طريق إنكار القرآن نفسه، ألا يعلمون بأن القرآن جاءنا كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوحي من الله، وأن الذين نقلوه بالتواتر جيلا بعد جيل هم بشر كذلك وليسو ملائكة.

5 – ألا يشعر هؤلاء بأن الدعوة إلى الإيمان بالقرآن فقط، وعدم الإيمان بالسنة هي دعوة إلى تدمير الإسلام نفسه: كيف يصلون إن كانوا يصلون، وكيف يصلي المسلمون إن تركوا الإيمان بالسنة ؟ أليست صلاتنا عن طريق السنة وفق قوله عليه الصلاة والسلام: (( صلوا كما رأيتموني أصلي)) وهل يمكن أن نحج بغير طريق السنة النبوية وفق قوله تعالى: (( خذوا عني مناسككم)) ، ألا يعلم هؤلاء أنه لا يوجد في القرآن تفاصيل الصلاة والحج، تصوروا لو أن كل واحد يصلي كما أراد هل سيبقى شيء يسمى صلاة وهل يمكن أن يجتمع الناس في المساجد، وهل تبقى مساجد، هل يمكن أن يترك الله الصلاة التي هي عماد الدين لأهواء الأشخاص. 

6 – لماذا الذين لا يعترفون بأقوال وأفعال المصطفى المنقولة لنا عن طريق أسانيد الرجال الصحيحة بواسطة علم متكامل الأركان هو علم الحديث،  يعترفون بما ينقل لهم عن أفلاطون وأرسطو وسقراط وكنفشيوس وغيرهم من الفلاسفة دون أن يوجد علم يؤكد ويصحح أسانيد الروايات التي نقلت أقوال هؤلاء الفلاسفة. 

7 – لماذا هؤلاء الذين لا يعترفون بالسنة ومختلف العلوم الإسلامية يعترفون بمختلف العلوم الاجتماعية، لماذا يقدّرون مختلف العلوم الأخرى ويجزمون بصحة نظرياتها رغم الخلافات الكبيرة بين مذاهبها المتعددة، ولا يعترفون بأن العلوم الشرعية اختصاص من اختصاصات العلوم البشرية.

8 – لماذا يخلط هؤلاء الذين ينكرون الحديث بحجة التنوير وأنهم ” متنورين”  بين تاريخ أوربا التي ظهرت فيها ما يسمى بحركة الأنوار في ظل الصراع مع الكنيسة في القرون الوسطى  التي كانت تمنع العلم وتحارب العلماء، وتاريخ الإسلام في ذلك الوقت الذي تميّز عن غيره ببناء حضارة عالمية عظيمة مبنية على العلم بتوجيه من الإسلام نفسه، وبتوجيه من القرآن والسنة إلى حد أن كثيرا من علماء الطب وعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك كانوا علماء دين كذلك.

9 – لماذا لا يسأل هؤلاء عن علم الحديث وعن الطرق العلمية الدقيقة التي كان يستعملها هؤلاء ليميزوا بين الحديث الصحيح والحديث المكذوب، لماذا لا يسألون أن أصول هذا العلم وكيف أفنى البخاري ومسلم وغيرهما أعمارهم فيه، لماذا لا يقولون بأن الله هو الذي سخر هذا العلم وهؤلاء العلماء ليحفظ السنة ويحفظ القرآن بالسنة شرحا وتفسيرا وتفصيلا ؟ 

10 – لماذا يستعملون المتشابه من النصوص التي لا يفهمونها ولا يملكون الأهلية لفهمها، والتي قد لا تفهم في عصر وتفهم في عصر آخر، ليحكموا بها على ما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة من النصوص، بل يحكمون بها على المتواتر الذي لم تختلف حولها الأمة.

11 – إذا كانوا يريدون إلغاء دور العلماء في علوم الحديث ومختلف العلوم الإسلامية الأخرى باعتبار أن هؤلاء العلماء بشر، لماذا لا يلغون العلوم التي جاءت من عند غير المسلمين قبل الإسلام وبعده وهم كذلك بشر؟ وهل يوجد دين أو علم أو حضارة دون وجود علماء. ثم ما قولهم في قوله تعالى في سورة النساء: (( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) )) وقوله تعالى في سورة ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً ُّيوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ))، هل يمكن أن يكون علماء يستنبطون تفاصيل الأحكام ونعود إليهم كما أمرنا الله إذا كنا نؤمن بأن الجميع له القدرة على تفسير كل آيات القرآن وحده ودون الرجوع للسنة ولفتاوى العلماء؟ وهل هؤلاء الذين يقولون هذا يحلون مشاكلهم الاجتماعية الدينية الشخصية كالزواج والطلاق والميراث وقضايا المعاملات المالية بأنفسهم أم يستفتون العلماء؟ ولو كان كل واحد يعتبر نفسه عالما في الدين يتعامل مع القرآن مباشرة كم دين سيكون عندنا؟ وكيف يتفاهم المسلمون؟ وعلى أي أساس أو معيار يكون ذلك؟

12 – وبخصوص بعض الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري التي يستهزئ بها بعض هؤلاء ويستعملونها لإلغاء السنة النبوية، كحديث شرب بول الإبل مثلا: 

أولا- يجب أن يفرق هؤلاء أولا بين أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم كمشرع يجب الالتزام بما يشرعه على وجه الوجوب أو التأكيد أو الندب وتوجيهاته في أمور الدنيا غير الملزمة، مثل ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه مسلم في صحيحه: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر)، والدين هو ما تطرقت إليه النصوص الشرعية وبينته، مما يُدرك بالنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وما يتم استنباطه من قبل العلماء مما يتناسب مع كل عصر ومصر ، وغير ذلك من أمور الدنيا مما لم يتم فيها أمر أو نهي فهي من المباحات المتنوعة والمتعددة التي تطرق إليها الرسول كبشر أبدى فيها رأيه وحكمته وليس كنبي يشرع حكما  .

ثانيا – قد يكون الحديث الذي لم تستسغه بعض العقول مرتبط بالمستوى العلمي في المرحلة التي يعيشونها وقد تظهر حقيقته العلمية في مرحلة أخرى، أو قد يكون مستساغا مفهوما في مجتمعات بشرية ما وفائدته مجربة عندهم، ولا يكون مستساغا في مجتمعات أخرى وقد يكون منفرا عندهم، فإن كانوا لا يستسيغون شرب بول الإبل مثلا فهناك من يستهلك براز حيوانات أخرى كقهوة براز الفيلة وحيوانات أخرى مثلا، وهي من أكثر أنواع القهوة ثمنا.

 وفي الأخير  قد يكون مفهوما أن ينشر هذه الأفكار الهدامة غير المسلمين أو بعض المثقفين المسلمين المجندين من قوى تحارب الإسلام، فلماذا يتورط في هذه الفتنة مسلمون يؤدون صلاتهم على هدي أحاديث المصطفى ويحجون على ذلك الأساس ويتزوجون ويبنون حياتهم على ذلك الأساس؟ ألا يخشون أن يَفتنوا أنفسهم ثم يندمون يوم لا ينفع الندم حيث يتحقق فيهم قول الله تعالى في سورة النور: (( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) )) أي تصيبهم الفتنة والعياذ بالله حين يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعظم المخالفة إنكار السنة التي أثبت وجودها القرآن نفسه.

د. عبد الرزاق مقري