رمضان بلا تراويح!

لأول مرة يحدث هذا، لأول مرة يحدث هذا في التاريخ، تُغلق المساجد في كل البلدان فيُؤذن المؤذن ولا يذهب الناس لصلاة الجماعة. لقد كان الأمر هكذا قبل رمضان، ولكننا تكيفنا مع المنع الطوعي اتباعا لمقاصد الشرع وفتاوى العلماء وحفظا لسلامة العباد والبلاد، متيقنين بالأجر التام من الله تعالى الذي وعد بذلك على لسان نبيه الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس:

((إِنّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ. ثُمّ بَيّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عَزّ وَجَلّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً… وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيّئَةً وَاحِدَةً)).

غير أن دخول رمضان حرّك المواجع في يومه الأول، وعمّق الأسى مذ ساعاته الأُوَل، فأُلقِي على القلب حزنٌ هدّ قلاع الصبر، وهجم على النفس حالٌ من الحيرة والدهشة زلزل التّحمل، فصار المؤمن الصائم في وحشة واغتراب، وكأنّي به قد ألقي في سجن موحش بلا جريرة، أو كأنه نُفي إلى بلد لا أهل فيه ولا خلان. أين ذلك الاستبشار بقدوم شهر الصيام في المسالك والطرق والزقاق؟ أين الصخب السعيد في الأسواق والشوارع؟ أين مجاميع الأحباب والعوائل في كل زوايا القرية والمدينة؟ أين التزاور والتلاقي بين الأهل والأحباب والخلان؟ وأين أين: أين إقبال الناس على المساجد من كل حدب وصوب؟ أين أجواء الطمأنينة والسكينة والخشوع في صلاة التراويح؟ أين طرب الخاشعين، القائمين صفوفا، بآيات الذكر الحكيم؟ أين أصوات المُقرئين الجميلة يَجِيئُها الناس قصدا لتطويع النفس العصيّة؟ أين السلام والتصافح وعناق الصفاء والابتسامات الطليقة بعد الركعات في الساحات؟ أين تلك اللحظات الغاليات بالعودة للبيوت أو قضاء الحاجات بعد الصلاة؟ أين فناجين الشاي المعتّق والقهوة العتيقة في سهرات الأنس الجماعية مع من نحب، حمدا لله على التوفيق للصيام والقيام؟ أين المضائف والإفطارات الجماعية مع أهل الفضل كل يوم في مختلف جهات الوطن؟ أين أمارات الكرم والتضامن في كل قرية في بلدنا الفسيح حيث موائد إفطار الصائمين المحتاجين والمسافرين؟

لا شيء من هذا موجود في رحالنا في زمن الوباء القاهر بإذن الله الغالب، سبحانك ما أعظمك وأجلك، ما قدرناك حق قدرك؟ تفعل في الكون ما تشاء بقدرتك، كل الدنيا بيدك، فلا كبير غيرك، ولا قوي سواك، سبحانك ما أجلك.

من كان يظن أننا نصير إلى ما نحن عليه، نُحشر في بيوتنا في رمضان الذي من خصائصه الحياة الجماعية، ومن أحلى ما فيه صلاة التراويح: عبادة وصحة وترويحا ولقاء بين الناس على موائد القرآن والطاعات.

ولكن، قدر الله وما شاء فعل، ولعل في ذلك حكمة يريدها الله. لعله أراد لنا أن نخرج من الصخب، ومن المخالطة، والضجيج، لنهدأ ونتفكر ونتدبر في حالنا، وحال بلدنا، وحال أمتنا، وحال العالم بأسره، لنسائل أنفسنا بعمق إلى أين نتجه؟ وماذا نريد فعلا بما نفعل؟ لنفكر في الأشياء المهمة التي كنا بسبب الضغط والصخب نغفل عنها؟ لنراجع علاقتنا مع الله، ومع أهلنا، ومع الأقرب إلينا، ومع الناس أجمعين، لنرسم مسارات جديدة أنفع وأصدق.

لعله أراد لنا- سبحانه – أن نتعلم أكثر، أن نتذوق عبادة الخلوة والسر أفضل في هذا الشهر الفضيل، أن نشعر بمعنى الأسرة والعائلة في أجواء الروحانية الرمضانية. لعله أراد لنا أن نتفكر في حال المعزولين دوما، في حال المهمشين دهرا، في حال المعاقين المحتاحين للتجوال وحرية الحركة فلا يجدونها أبدا، لعله أراد أن نفهم مغزى السجن بلا جريرة، سجن المقهورين المحرومين من الجمعة وربما كل يوم من الجماعات.

إن الله لا يحتاج عبادتنا، فهو أغنى الأغنياء عن العالمين، لا يحتاح سبحانه عمارة المساجد ولا إقبال الناس على التراويح، بل لا يحتاج صلواتنا ولا قرابيننا وأضاحينا، لا يناله شيء من ذلك، ولكن يناله التقوى منا، والتقوى في القلوب معنا في حَجرنا الطوعي حيث ما كنا، وصدق الله تعالى إذ يقول في سورة الحج: ((لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37))).

وما دام المقصود على المطلق هو تقوى الله، فإن المقصد على الأخص من فرض شهر رمضان هو الاجتهاد في الطاعات والعبادات للحصول على تقوى الله جل في علاه، مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة: ((  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183))).

فلنرض بقضاء الله، ولنحسن الظن به، أنه يريد لنا سبحانه الخير، ولنتوجه بقلوبنا إليه، ولنجتهد في طاعته وعبادته، فهو يرانا حيث ما نحن، ولنجعل بيوتنا مساجد نصلي فيها التراويح فلا نتركها أبدا في ليالي رمضان، وليكن الوقت المتاح لها حجة لنا لا حجة علينا، لنجمع العائلة حولها، وليشجع بعضنا بعضا على صلاة بعضنا ببعض، بما تيسر لمن حفظ، وبالمصحف إن لم يتيسر، ولتكن جلسات ما بعد التراويح في البيت جلسات أنس عائلية، حول الشاي اللذيذ أو القهوة الطيبة، بالحديث الأنيس والكلم الطيب، وليكن الاتصال بالأرحام والأصدقاء عبر الهاتف ومختلف أنواع الاتصال صلة مبرورة مأجورة كل يوم أو ليلة، ولتصل صدقاتنا الفقير والمسكين، ولنواصل إفطار المحتاجين،   بسخاء كما كنا في سائر شهور رمضان الفارطة أو أكثر. ومع ذلك كله لنجعل مواصلة محاربة الوباء، عبادة من عبادات الشهر العظيم، بكل الوسائل والطرق الممكنة، وفي كل الجوانب ذات الصلة، بشكل مباشر أو عبر الجمعيات والهيئات والمنظمات، كل حسب قدرته وموقعه واختصاصه. وفوق ذلك أجمعه نتضرع إلى الله في أيام وليالي هذا الشهر الذي تُسمع فيها الدعوات أن يرحمنا، وأن يرفع عنا الوباء والبلاء، وأن يحفظنا من كل سوء جاءت به الجائحة، وأن يتقبل منا الطاعات والعبادات وأن يعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأهلينا وجميع المؤمنين من النار وعذاب الحجيم، وأن ينقل بلدنا وأمتنا إلى آفاق الخير والبر و السؤدد والرفاه والنعيم.