أرشيف التصنيف: فكر

في ذكرى تأسيس الحركة (3) : وطن ينهض، حركة تتجدد

لم يكن ُيتصور  بضعة أشهر  قبل الاحتجاجات الشعبية في جانفي 2011 وثورات الربيع العربي بأن الحركة ستراجع توجهاتها السياسية الاندماجية في منظومة الحكم، لقد كاد الارتباط بالحكم أن يتحول إلى عقيدة سياسية لا تتزعزع، والمشاركة في الحكومة حتمية لا تتبدل، وكانّها بصمة وراثية ذات حمض نووي ريبوزي راسخ لا يتغير،   رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالحركة في رمزيتها واستقرارها جراء ذلك المنهج، ورغم التقييم السلبي الرسمي الذي قدمه رئيس الحركة الشيخ أبو جرة عن التحالف الرئاسي، ورغم تحول الحركة إلى نوع من “الربيب” بين شقيقين أصليين لرب الأسرة، يشترك في غرم العائلة ولا حظ له في الغنم.

لقد كانت الأصوات المعارضة لذلك التوجه مبحوحة داخل الحركة لا يُسمع لها ولا يُعتد بها، وقد كنتُ ضمن تلك الفئة المعارضة، قد أصابني اليأس في القدرة على فعل شيء ما من داخل الحركة وأخبرت بعض القريبين مني بأن آخر عهدي بهياكل الحركة سيكون بمناسبة المؤتمر الرابع في 2013. غير أنني كتبت ورقة طويلة في ذلك الوقت عرضتها في المكتب التنفيذي الوطني إبراء للذمة، بينت فيها موقفي من الاستمرار في الارتباط بالسلطة عبر المشاركة الهزيلة في الحكومة، المضرة بالحركة والبلاد، ورؤيتي التي تصلح البلاد والحركة.

فإذا بالأوضاع تنقلب رأسا على عقب بعد الاحتجاجات الشعبية في الجزائر والعالم العربي، ويصبح المناضلون يرون أنفسهم بأنهم في الجانب الخاطئ من التاريخ، فيشكلون تيارا جارفا  يريد رؤية متجددة وقيادة جديدة تمكّن من العودة بالحركة إلى أحضان الشعب ومقاومة الفساد والاستبداد، فتجسدت نظرية المكان المناسب عند التحولات السننية، إذ اتجهت أنظارهم إلى الشخص الذي ثبت في الدعوة إلى ذلك الهدف فلم يتغير ولم يتبدل، فكان التقاءٌ بالقدر، لي وللحركة، لم يكن أحد قد خطط له أو سعى إليه، وتلك هي المرحلة الخامسة، أو الطور الخامس من أطوار تطور المنهج.

جاءني أحد المسؤلين في الحركة مبتهجا ذات يوم ينقل لي ما سمعه من مسؤول كبير سابق في الحركة في جلسة استشارة في لجنة تحضير المؤتمر السابق من: “أن ثمة مشروعين في تاريخ الحركة، مشروع الشيخ محفوظ الشيخ محفوظ نحناح ومشروع الدكتور عبد الرزاق مقري”، وكان هذا المسؤول السابق والحالي في الحركة يقول، هو وغيره من بعض المسؤولين السابقين والحاليين،  بأن فترة رئاسة دكتور مقري هي بمثابة تأسيس ثان للحركة. 

لم يكن هذا قولي، ولم أسع أن أناقش مع أحد من القائلين أو المعترضين على هذا القول، فما مرحلتي في ظني إلا مرحلة من مراحل تطوير منهج الحركة، ولم يكن يهمني سوى التجديد الفكري لدى الأفراد والإنجاز في الميدان،  ولكن يبدو أنني وإن نجحت في تحقيق إنجازات في الميدان فأنا لم أفلح في تغيير القناعات في الأفكار، وإذا لم يتحقق تغيير الأفكار فإن الإنجازات ستعود حتما على أصلها بالإبطاال، ما لم تنتقم الأفكار في ظرف مناسب لاحق.  

لقد كان حرصي الكبير في قيادتي للحركة أن يقود الفكرُ الإنجازَ، فمنذ أن رأيت أن ثمة تيارا جارفا يتجه إليّ لم أشأ أن تكون رئاستي للحركة مبنية على رد فعل للربيع العربي يقوم على حالة عاطفية انتهازية، لا سيما أن الخروج من الحكومة جاء بعد نقاش دام سنة كاملة بين 2011 -2012 بعد الاحتجاجات، وقرابة ثمانية أشهر من انتظار تجسيد الإصلاحات التي وعد بها  الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة رحمه الله في 15 أفريل 2011 ولم تتجسد.

ولذلك رجعت إلى الأفكار التي كنت أناضل بها، لا سيما الوثيقة التي سلمتها للشيخ محفوظ عام 1997 والتي اشرت إليها في المقال السابق،   فطورت كل تلك الأفكار ضمن رؤية شاملة للتجديد  في كتاب دخلت به المؤتمر الخامس عام 2013 تحت عنوان ” البيت الحمسي” يتناسب مع شعار المؤتمر ” حركة تتجدد، وطن ينهض”  وفي ما دونته في كتابي “الحركة الإسلامية في الجزائر: الماضي، الحاضر والرؤية المستقبلية” الذي صدر عن دار الخلدونية عام 2015 ثم  كتاب آخر دخلت به المؤتمر السابع، لعهدتي الثانية، عام 2018 (بعد المؤتمر السابع مؤتمر الوحدة)، تحت عنوان “البيت الحمسي 2 ” وختمت عهدتي الثانية بكتاب يعبر عن رؤية شاملة للعمل الإسلامي في العالم العربي ” الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور” الذي لقي بحمد الله  قبولا كبيرا لدى العلماء والمفكرين واعتمده الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بعد تحكيمه من لجنة من خيار أهل العلم والفكر واعتمدته بعض الحركات الإسلامية في مناهجها التكوينية، علاوة على كثير من النصوص التي قدمتها طيلة العهدتين بمناسبة مجالس الشورى ولقاءات الهياكل والملتقيات والجامعات الصيفية التي جمعت جزء منها  في كتابين، الأول: ” وثائق في الفكر والسياسة والدعوة” صدر عام 2015، والثاني: “أفكار وسياسات: من نصوص العهدة 2013-2018” صدر عام 2018.

لا شك أنه لكل طور من أطوار الحركة الخمسة  نجاحاتها وإخفاقاتها، أما النجاحات في الطور الخامس  فقد كانت بارزة ظاهرة ثمنها المؤتمر السابق بتصويت يفيد الإجماع وثبّتَ محاورَها الكبرى نظريا في الوثائق التي صادق عليها للمرحلة التي تليه، وكان الظن أن هذه المرحلة الجديدة ستكون وفية لتلك النجاحات، ومن تلك الإنجازات :

  • الإنجازات الأخلاقية والقيمية: لا أزعم أننا حققنا نجاحات حاسمة في هذا الجانب كما سأبين أدناه ولكن حاولنا أن نشكل في الحركة اتجاها عاما منافيا للانتهازية السياسية ويرفض استغلال الحركة للطموحات  الشخصية، وعملنا على أن يقوم سلم القيم والقدوة على الاستقامة والتعفف والإنجاز، وكان العمل جادا على رفع قيم التضحية و الشجاعة والوفاء والتجرد وأصبحت ساحة الحركة والنقاشات الدائرة فيها لخدمة الوطن والأمة والقضية الفلسطينية، وأصبح الفرد يفكر داخل الحركة ماذا يعطي لها وليس ما يأخذ منها، وظل من نحسبه كذلك، والله وكيل الجميع، هو الذي يتقدم في الصف ويظهر في المشهد!     
  • الإنجازات الدراسية و الفكرية :  إذ أصبحت الحركة تعتمد على مؤسسات التفكير المتخصصة وبات خطابها السياسي والاقتصادي خطابا علميا مقنعا، وظلت برامجها الانتخابية والتخصصية في مستوى قيادة الدولة  تنتجها  لجان قطاعية متخصصة، ويثني عليها رؤساء حكومات ووزراء وعلماء وأكاديميون.  وعلى المستوى الفكري نظّرنا لعلاقة الدعوي بالسياسي المطروحة للنقاش بإلحاح في الساحة الفكرية الإسلامية وابتكرنا في هذا الشأن مقاربة التخصص الوظيفي و طبقناها بما أضفى فاعلية أكبر في الوظيفة السياسية والوظائف الأخرى الدعوية والاجتماعية وغيرها، فاستوعب هذا التدبير طاقات وكفايات كثيرة وفعّل قدرات بشرية كانت خاملة وأحيا وظائف استراتيجية، كما وضعنا قواعد الانتقال من المشاركة السياسية إلى الشراكة على أساس ميزان القوة – وإن لم نحقق ذلك بسبب اختطاف الحراك الشعبي – واخرجنا الكفاح السياسي من حتمية ثنائية الصدام أو الاندماج إلى الآفاق الرحبة للمقاومة السياسية، وبلورنا رؤى الانتقال الديمقراطي والتأهيل القيادي والاستنهاض الحضاري، وغير ذلك من ورشات النقاش الفكري الواسعة،  و أصبحت الحركة ورجالها ومنتجاتها  وتوجهاتها السياسية والإدارية ومشاريعها ومؤسساتها بحمد الله  من أهم مصادر التطوير والتجديد في الحركة الإسلامية والإصلاحية في  العالم العربي والإسلامي.
  • الإنجازات التنظيمية واستحقاقات الوحدة حيث عرفت الحركة استقرارا كاملا طيلة عهدتَي الطور الخامس، فلم تعرف الحركة صراعات ولا انشقاقات، خلافا للأطوار الأربعة السابقة، بل تم تحقيق الوحدة مع جهتين مهتمين كانتا قد غادرتا الحركة من قبل، وهما جبهة التغيير وطبقة واسعة من القادة والمسؤلين والمناضلين كانوا قد غادروا الحركة على عدة مراحل منذ التسعينات. كما تم تنمية الموارد البشرية من حيث الكم والنوع، فبرز في الحركة جيلان قياديان جديدان هم من يقود الحركة اليوم محليا ومركزيا، وتم التركيز أكثر على الشباب فهم اليوم في مواقع قيادية أساسية في الهياكل والإدارة والمؤسسات.
  • الإنجازات الشورية والديمقراطية حيث أننا انتبهنا بأن الشورى الحقيقية والديمقراطية الحقة هي التي توفر التعبير عن الرأي والرأي الآخر في النقاش أثناء مرحلة صناعة القرار في المشاورات والمداولات المختلفة وأثناء اتخاذ القرار في مؤسسات اتخاذ القرار، وأن المشاورات التي تقيمها الحركة   في مختلف القضايا شكلية يسيطر عليها التنظيم وقادته بما يؤدي إلى تعارض المصالح، وفق المصطلحات العلمية الإدارية المعبرة عن ذلك، وتكون النتيجة حتما لمن يتحكم في التنظيم والمشاورات إذ رأيه هو وحده ما يُشرح ويسوق له باحتكار استخدام وسائل الحركة، وهذا سبب رئيسي للصراعات والانشقاقات والفتور وخسران الكفاءات،  فابتكرنا طرائق جديدة تضمن حضور الرأي المخالف ومن ذلك: دعوة رؤوس الرأي المخالف إلى المكتب التنفيذي الوطني وتقديم آرائهم والدفاع عنها متى شاؤوا وطبقنا ذلك فعليا، واتفقنا مع رؤساء مجلس الشورى الوطني المتتالين  بأن لا يُحدد الوقت لرؤوس الرأي المخالف والقادة السابقين أثناء تدخلاتهم وطبقنا ذلك، وشكلنا هيئة استشارية عليا يُضمن فيها حضور الآراء المختلفة بشكل متوازن كان حضور أصحاب الرأي الآخر قويا ومكثفا، بالإضافة إلى المجالس الاستشارية المتخصصة الشبابية والنسوية ومجلس المؤسسات واللجان القطاعية. وحاولنا أن ننظم مسألة التنافس الداخلي على المناصب لإنهاء عهد الكولسة الخفية والعلنية، ولتكون الحملات الانتخابية الداخلية شفافة يُسمح لكل المرشحين الاتصال بالهياكل التنظيمية والمناضلين باستعمال وسائل الحركة بالعدل والمساواة، فاقترحنا لائحة تنظم ذلك للمؤتمر السابع عام 2018 ولكن للأسف الشديد أسقطها من كان يُفترض أن يستفيد منها، ثم حاولنا الرجوع إليها في المؤتمر الثامن ألأخير فلم نفلح بسبب عدم توفر السند اللائحي ولكن وضعنا هذا السند في قوانيننا بما يسمح بالمنافسة الشفافة والعادلة لاحقا.
  • الإنجازات السياسية: إذ ارتفعت رمزية الحركة بعد ما تضررت صورتها بسبب التوجهات السياسية السابقة، خصوصا بسبب التورط في فتح العهدات ودعم بوتفليقة عدة مرات، وبسبب الانشقاقات والصراعات الداخلية، فبات يُنظر   إلى الحركة  ورموزها بتقدير واحترام، وتجدّدَ الأمل فيها. وقد تجلى ذلك في نتيجة الانتخابات التشريعية والمحلية، حيث نجحنا في بلديات كبرى كانت محرمة علينا سابقا، منها وهران وعنابة، وحصلنا على نتائج في الانتخابات التشريعية الأخيرة تقارب نتائج زمن الألق السياسي في بداية التعددية، وذلك رغم العزوف الانتخابي،  ولم تفلح محاولات التقليص من أهمية النتيجة الانتخابية بإبراز تراجع الكتلة الناخبة للحركة من قبل خصوم خطنا السياسي التقليديين من داخل الحركة آنذاك، والتي بات يرددها بلا أخلاق اليوم خصومٌ جدد  كانوا بالأمس معنا في هذا الشأن خلافا لما يدّعونه اليوم. ويخفي هؤلاء وهؤلاء أن تراجع الكتل الناخبة هو على الأحزاب كلها وليس الحركة فقط، وأن سبب العزوف الانتخابي هو النظام السياسي (الذي يسندونه) من خلال  التزوير المستدام للانتخابات، وأن الحزب الذي يستطيع أن يفرض نفسه ضد العزوف وضد التزوير وضد المرجفين ويحقق المرتبة الحزبية الثانية بعدد النواب يستحق التقدير والثناء وليس الهمز واللمز.   
  • الإنجازات المؤسسية المجتمعية حيث رجعت المؤسسة الاجتماعية إلى استقرارها وكثير من نشاطها وفاعليتها، وأرجعنا النقابة الطلابية إلى حضنها الأصلي، وأضفنا من خلال نظرية التخصص الوظيفي  أربع أضعاف تلك المؤسسات بعضها صار جزء أساسيا من المشهد الوطني، وبعضها بلغ العالمية، وأحيينا بفضل الله كثيرا من وظائف المنهج وصار للمؤسسات التي يقودها رجالنا حظ وافر في خدمة القرآن والدعوة والقضية الفلسطينية وخدمات المجتمع.
  • الإنجازات على صعيد العلاقات الداخلية إذ استطاعت الحركة أن تفرض نفسها في المشهد وأن تفعّل الساحة السياسية لعدة سنوات لخدمة رؤية الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه وبناء ميزان قوة يسمح بتحقيق التوافق الوطني والشراكة السياسية في القرار من أجل نهضة البلاد والمساهمة في نهضة الأمة، فكانت الطرف الأساسي في بناء التنسيقية الوطنية للانتقال الديمقراطي  والاجتماعات التاريخية في مزفران مع كل أطراف المعارضة، وعادت لنفس الرؤية في مبادرة التوافق الوطني وكادت أن تحقق به انتقالا ديمقراطيا حقيقيا من خلال مفاوضاتها مع الرئاسة البوتفليقية في فترة ضعفها الشديد لو لا إحباط المحاولة من جهة قوية في السلطة لصالح العهدة الخامسة فأدت تلك الحركية الجماعية الدؤوبة إلى حالة وعي عامة فجّرت بشكل غير مباشر الحراك الشعبي. لقد صنعت هذه الحركية الدائمة في العلاقات مكانة معتبرة للحركة وقادتها وظلت أبواب الحوار مفتوحة لنا في كل الاتجاهات، في المعارضة وفي السلطة، ولِجناها بكل ثقة وإيمان بأفكارنا ومشاريعنا، وكنا في كل تلك الحوارات نرفع حركتنا بقوة حجتنا،  ولم  نتحدث وراء الأبواب المغلقة – آنذاك – إلا في ما ينفع بلدنا ولا نتورط في التآمر ضد أحد، قريبا كان أم بعيدا، ولو وجد أحد في ما كنا نقوله سعيا لمصلحة شخصية أو تآمرا على أحد أو على جهة ما لأسمعوا العالم بها.
  • الإنجازات في العلاقات الخارجية: كما سبق أن قلنا تسببت حالة الصراع والخلافات داخل الحركة إلى عزلها عزلة تامة دوليا، ولكن استطعنا أن نعود بقوة منذ أسطول الحرية، ثم طورنا علاقاتنا حتى أصبحنا جزء أساسيا في المشهد الإسلامي العالمي، ومع أحرار العالم، سواء في المساهمات الفكرية والإعلامية  أو المشاركة وقيادة المنظمات الدولية الفاعلة، كما وصلت مؤسساتنا المتخصصة إلى مستوى النمذجة و الريادة الدولية خصوصا في مجال التأهيل القيادي الشبابي وفي القضية الفلسطينية

أما عن الإخفاقات فيمكن تصنيفها وفق ما يلي:

  • بالرغم من أن العمل السياسي  ضمن تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي كان جماعيا فإننا لا بد أن نتحمل نصيبنا من المسؤولية في عدم تحويل هذه التنسيقية إلى قوة جماعية ضاغطة على السلطة تؤثر في ميزان القوة من أجل التحول الديمقراطي، وبالرغم من أننا بادرنا باسم الحركة إلى إحيائها مباشرة بعد اندلاع الحراك الشعبي ولم نجد تجاوبا من الشركاء فإنه من الواجب الإقرار بفشلنا جميعا كطبقة سياسية في تشكيل قيادة مشتركة للحراك الشعبي تمنع تفتيته ايديولوجيا ثم استيعابه من طرف السلطة كما تم فعلا. وكانت مبادرة ملتقى الحوار الوطني بعين البنيان أثناء الحراك مبادرة فاشلة أخرى. ولما أخذنا المبادرة وحدنا قبل الحراك عبر مشروع التوافق الوطني عجزنا على الاستشراف بأن الرئاسة لم تكن ضعيفة فقط، بل لم تصبح تزن شيئا فأضعنا وقتنا في الحوار معها و عرّضنا أنفسنا للمخاطر إذ كانت القوة متمركزة كلية لدى قيادة الأركان، وهي التي فرضت العهدة الخامسة. غير أن المحاولة التي قمنا بها إنما كانت عملا صالحا نرجو ثوابها من الله تعالى،  أقمنا بها الحجة أمامه سبحانه و على الجميع، وسيبين التاريخ أن المبادرة التي قدمناها بكل صدق ومهنية هي  الوحيدة التي كانت ستحقق الانتقال الديمقراطي ونهضة البلد لم تم اعتمادها ودعمها.
  • –            ويبدو من خلال التطورات الجارية في الحركة بعد المؤتمر الأخير بأن الإخفاق الكبير التي اتسم به الطور الخامس هو الإخفاق في تغيير القناعات لدى قيادات الحركة، وأن التوجه للمقاومة السياسية ضد الفساد والاستبداد خارجيا، وضد الانتهازية داخليا، الذي وقع بين المؤتمرين السادس والثامن كان أكثره ردة فعل لأحداث الربيع العربي ثم تجاوبا غير مُكلِف مع حالة الضعف التي عرفها النظام البوتفليقي والتأثر بالحراك الشعبي الذي أزاحه، وربما بالنسبة للبعض للمحافظة على المواقع، ولم يكن قناعة عميقة عامة تعين على التضحية إلى غاية تحقيق الهدف ولو طال الزمن، وهو أمر يتطلب تعمقا في الدراسة نعود إليه لاحقا. كما اتضح كذلك بأن القناعة بالتخصص الوظيفي بقيت سطحية والتراجع الفعلي عن مكتسباتها بات ممكنا وسهل المنال. وعليه يمكن لأي دارس محايد أن يقول بأن التحولات العميقة التي وقعت في هذا الطور بقيت تمثل رؤية شخصية لرئيس الحركة قد أخذت تتبدد فور مغادرته موقع القيادة، وقد عبر الشيخ أبو جرة عن ذلك بوضوح حين عبر عن سعادته في مجلس الشورى الأخير بعودة الحركة إلى نهجه الذي كانت عليه قبل عشر سنوات.
  • وحينما نرى تراجع العمل الحزبي ومستوى الأنماط القيادية و زيادة شيوع الآفات السياسية وتحولها إلى خلق عام في الطبقة السياسية كالانتهازية السياسية والزبونية والتزلف واللؤم والغدر والتدليس والكذب والفجور في الخصومة وخلف الوعود ونقض العهود  وتقديم النفعيين على أفاضل الناس، بشكل عام،  علاوة على استمرار الفساد في مختلف مستويات المؤسسات الرسمية والمجتمعية ورسوخ السيطرة والتحكم وغلق هوامش الحريات أكثر من أي وقت مضى  نقول بأن مساهماتنا في أخلقة العمل السياسي وتثمين جدوى العمل الحزبي في التغيير لم تحقق النتائج التي كانت أجيال من السياسيين الصادقين تضحي من أجلها،    كما أننا لم نتوصل داخل الحركة إلى ترسيخ قيمة االثقة بالنفس والاستعلاء الإيمانيّ وقدرتنا على أن نكون قدوة و بديلا لغيرنا بأخلاقنا وفكرنا وبرامجنا وتاريخنا وحضورنا، رغم وجود هذه المعاني في الوثائق، ولم يصبح الانتقال الديمقراطي قناعة تتطلب التضحية والتعرض إليها وفق التحولات السننية، ولم تصبح رؤية السعي إلى الشراكة السياسية سوى اسماً مغلفا للعودة الى المشاركة السياسية التي تسببت في مختلف أعطاب الحركة.

تابع – المقال الرابع: التحليل والآفاق المستقبلية.

في الذكرى 33 لتأسيس حركة مجتمع السلم: الأطوار الخمسة وتطورات المنهج ج1

في الذكرى 33 لتأسيس حركة مجتمع السلم: الأطوار الخمسة وتطورات المنهج.

إذا اردنا ان ندرس تطورات المنهج الذي حكم حركة مجتمع السلم، بمناسبة ذكرى تأسيسها في 29 ماي 1991، فإننا سنضطر إلى تقسيم تاريخ الحركة إلى خمس مراحل، أو خمسة أطوار: ثلاثة قبل التأسيس الرسمي واثنان بعده. أما قبل التأسيس فإن الحركة قد تعرّف عليها الجزائريون في مرحلتها الأولى في سبعينات القرن الماضي كجماعة ذات معارضة راديكالية لنظام الحزب الواحد  والنهج الاشتراكي الرسمي، وقد وصل المنهج الحدّي لتلك المعارضة إلى استعمال العنف عبر الحادثة التي سميت ب”قطع أعمدة الهاتف”، وقد سبق تلك الأحداث خطاب شديد اللهجة عبر خطب نارية للشيخ محفوظ نحناح رحمه لا تزال  بعض تسجيلاتها متوفرة، وبيانات قوية  العبارات كالبيان المشهور تحت عنوان ” إلى أين يا بومدين؟”، انتهت هذه المرحلة بسجن الشيخ محفوظ رحمه الله والعديد من إخوانه وتشتيت جماعته.

أثناء سجنه نشطت جماعات أخرى في الجامعات، أهمها جماعة الجزأرة التي كان يرأسها د. بن شيكو ثم د. بوجلخة، وجماعة الشيخ عبد الله جاب الله التي عرفت في ذلك الوقت بأنها الجماعة التي تمثل الإخوان المسلمين فكرا وتنظيما.

بعد إطلاق سراح الشيخ محفوظ نحناح سنة 1981 دخلت جماعته في المرحلة الثانية من تاريخها، وهي المرحلة التي تبلور فيه منهج جديد عبر المراجعات التي قام بها الشيخ رحمه الله في السجن، وأساسها الابتعاد نهائياً عن المنهج العنفي لفظا وسلوكا والاعتماد على الخطاب الدعوي الهادي أكثر من الخطاب السياسي الصادم مع المحافظة على خطاب سياسي يعتمد شعار الحركة الإسلامية المركزي آنذاك “الإسلام هو الحل” ويستهدف نقد المناهج المستوردة وعلى رأسها العلمانية والاشتراكية، ولهذا السبب لم يكن الشيخ محفوظ في صدارة الاحتجاجات الكبرى كأحداث الجامعة المركزية عام 1982 وأحداث 5 أكتوبر 1988 رغم الوجود الفعلي للعديد من قادة وأفراد جماعته فيها، واستطاع الشيخ محفوظ أن يتجاوز كل تحديات عشرية الثمانينيات ليكون في أواخرها أهم زعيم سياسي وتكون جماعته أكبر جماعة في الجزائر وقد ساعده على ذلك عدة معطيات منها شخصيته الجذابة وسمته وقدراته الخطابية الفذة، النهج الجديد الذي انتهجه الشاذلي بن جديد القائم على الانفتاح السياسي وبدايات التراجع عن النهج الاشتراكي والذي كان يحتاج بشأنه إلى بروز  جهة معتدلة في التيار الإسلامي، وارتباط الشيخ محفوظ بالاخوان المسلمين الذين كان يمثل منهجهم ومشروعهم وتاريخهم وتضحياتهم نوعا من المرجعية التي تفرض نفسها على شباب الصحوة الإسلامية يرتبطون بها بشكل تلقائي أكثر من غيرها، وكتيار قبل الارتباط بالتنظيم،  مما جعل العديد من الشباب وإطارات الحركة الإسلامية الذين انتظموا في جماعة الشيخ عبد الله جاب الله يتركونه لصالح الشيخ محفوظ لمّا اختلف الرجلان وعُلم بأن الشيخ محفوظ هو من يمثل “الاخوان المسلمون”.

وكذلك التحق بالشيخ نحناح رحمه الله بسبب “الإخوان المسلمون” كثير من رموز وقادة الحركة الإسلامية، وعدد من التنظيمات المحلية ومن مجاميع إسلامية مختلفة خصوصا بعد فشل مساعي الوحدة بين فصائل التيار الإسلامي التي دعا اليها بعض الدعاة بين 1983-1987. وبقي الانتماء للإخوان المسلمين صمام أمان لوحدة جماعة الشيخ محفوظ – بالإضافة إلى شخصيته – إلى أن تراجعت أهمية تلك المرجعية لأسباب عديدة ليس المجال للتفصيل فيها، خصوصا بعد التحول إلى المرحلة الحزبية، فأخذت الاختلافات ثم الانشقاقات تظهر في جسم الجماعة.

مع تغيير الدستور والتوجه نحو التعددية الحزبية دخلت جماعة الشيخ محفوظ نحناح مرحلتها الثالثة، بتأسيس الحزب رسميا في 29 ماي 19991 الذي نتذكر مناسبته في هذا المقال، وكان الدخول عسيرا ليس عليه فقط، بل على الجماعات الإسلامية الثلاث المنظمة المتقاربة فكريا التي لم توفق في تحقيق الوحدة بينها (الشيخ محفوظ/ الجزأرة/ عبد الله جاب الله)، والتي تجاوزها تيار 5 أكتوبر ولم تسبق لتأسيس حزب إسلامي فأدّى ذلك إلى سيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج على الساحة السياسية.

تسبب هذا التأخر من قبل هذه الجماعات المنظمة في الاستشراف وفي التعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية التي تلت انهيار أسعار البترول ابتداء من 1986، وتعمّق الفساد في نظام الحزب الواحد، ثم البرسترويكا  فانهيار الاتحاد السوفياتي بين  1987 و 1990 وتراجع زمن الأحادية عالميا إلى ضياع المبادرة والريادة، وأصبحت السياسات والتوجهات والتصريحات هي من أجل الاستدراك واسترجاع المبادرة والمساهمة في المحافظة على نصاعة المشروع وتفويت الفرصة على العلمانيين لاستغلال الظروف وغطاء محاربة الإهاب للإجهاز على كل مرجعية إسلامية في الشأن العام، وكذا من أجل إخراج البلاد من الأزمة.

وقد كان نهج الشيخ محفوظ نحناح أكثر وضوحا من خلال سرعة وقوة المبادرات من أجل الحوار والمصالحة الوطنية، [وقد سجلتُ تلك المبادرات في برنامج مراجعات مع قناة الحوار اللندنية وفي كتابي مبادرات لحل الأزمات]، وخطاب التميز عن التشدد، ثم العمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة عبر العودة للمسار الانتخابي وبداية تجسيد نهج المشاركة الحكومية، ومحاولة بلورة خطاب وطني لتطمين النظام السياسي وتحسين  العلاقة بالمؤسسة العسكرية ومجاهدي حرب التحرير، وكل من له تأثير في القرار السياسي.

أدى هذا النهج إلى نجاحات معتبرة على المستوى الاستراتيجي من حيث المساهمة في وقف سيل الدماء والمحافظة على الدولة وحماية المشروع والحركة الإسلامية وأمن المناضلين وعائلاتهم، وتوفير الفرصة لاستمرار الوجود والعمل، والانتقال للمستقبل بأقل التكاليف وفي أحسن ما يمكن من الظروف، غير أن الإخفاق على المستوى السياسي كان ملازما للمسيرة خلافا للأهداف التي رسمها الشيخ محفوظ وسَمِعتُها منه شخصيا وهو أن ينال دعم المؤسسة العسكرية، تأسياً بتجربة الشيخ حسن الترابي الذي كان نجمه صاعدا في ذلك الوقت، ويكون بديلا لجبهة التحرير التي خرجت للمعارضة مع الأستاذ الكبير عبد الحميد مهري رحمه الله والجبهة الإسلامية التي لم يكن ممكنا التفاهم بينها وبين العسكر، أو على الأقل تجسيد فكرة التحالف الوطني الإسلامي على المستوى الرسمي بعد ما تمت الدعوة إليه باسم جمعية الإرشاد والإصلاح قبل تأسيس الحزب عام 1990.

لقد كانت الخسارة في الانتخابات التشريعية في جانفي 1991 منطقية بسبب السبق الذي استفادت منه جبهة الإنقاذ، ولكن النجاح الكبير والشعبية الهائلة التي ظهرت لصالح الشيخ محفوظ وحزبه في الانتخابات الرئاسية عام 1995 أخافت العسكر وأصحاب القرار.

لم ينفع المنهج التطميني الذي انتهجه الشيخ محفوظ فأُعطيت له الرسالة من قبل النظام السياسي  بأن “بديلنا لست أنت بل نصنعه صناعةً بأيدينا”، فكان تغيير الدستور  عام 1996 لمنع الشيخ محفوظ من الترشح مرة أخرى للانتخابات الرئاسية مدى الحياة، وذلك بسبب قدرته على المنافسة وقيادة البلد، وتغيير  اسم الحزب بنزع كلمة “الإسلامي” ليتحول من “حركة المجتمع الإسلامي – حماس” إلى “حركة مجتمع السلم – حمس”، وإعاقة الحركة بما اعتقده نظام الحكم بأنه عناصر قوة لصالحها، ثم كان تأسيس حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” والتزوير له في الانتخابات التشريعية والمحلية عام 1997، وبعد ذلك منع النحناح رحمه الله وأسكنه فسيح جناته من الترشح عام 1999 وإهانته وضربه في تاريخه وسمعته، ثم جاءت الانتخابات التشريعية عام 2002 فتمت معاقبته عن إصراره على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1999  بما اضطرّهم إلى منعه من ذلك تعسفا مما زاد في ضرب مصداقية الانتخابات بالإضافة إلى ما أصابها من خدش في مصداقيتها بعد انسحاب المرشحين الستة، فوضعوا الحركة في تلك الانتخابات التشريعية في المرتبة الرابعة بعد حركة الإصلاح التي أسسها الشيخ عبد الله جاب الله بعد خروجه من حركة النهضة، مع أن ما سهل على النظام إخفاء مكره وقلة وفائه التراجع الشعبي الفعلي الذي أصاب الحركة بسبب تحولها السريع والمفاجئ من معارض لبوتفليقة إلى مساند له في الانتخابات الرئاسية عام 1999. ولا يعني ما نقوله هنا أن حركة الإصلاح تم تقديمها على الحركة بدعم من السلطة، فقد كان تقدمها منطقيا، ولكن المقصود أن الحركة عوقبت بالتزوير ضدها كما هي العادة،  وأنه لو كانت  جزء من السلطة لزورت لها كما تفعل مع أحزاب الموالاة التي تنقذ دوما بالتزوير.

لا يمكن الجدال بأن الكثير من المكاسب الاستراتيجية غطت عن الخسائر السياسية، ومن أهمها البقاء في ساحة المعركة ضد التوجهات العلمانية المعادية للمشروع الوطني الإسلامي، ولكن لا يمكن الجدال كذلك بأن التيار العلماني ألحق بخططنا خسائر كبيرة، ومن ذلك إضعاف التيار الوطني ذاته داخل الدولة، علما بأن المكتسبات الحضارية العربية الإسلامية تحققت في زمن الحزب الواحد بأيدي رجال التيار الوطني وليس في زمن التعددية الحزبية، ومن ذلك قانون الأسرة، والمنظومة التربوية الأصيلة، والتعريب. غير أن الرجال الذين حققوا تلك الإنجازات عبر صراع مرير مع ما كان يسمى “حزب فرانسا” في ذلك الوقت أبعِدوا عن النفوذ داخل الدولة، واستفرد رجال التيار العلماني الذين كانوا يواجهونهم بالقرار، خصوصا داخل المؤسسة العسكرية، ووجدت حركة مجتمع السلم نفسها قريبة من هؤلاء الرجال العلمانيين، رغم تصريح زعيمهم خالد نزار صراحة في مذكراته المنشورة بأن خططهم كانت تستهدف في ظل الأزمة ضرب التيار الإسلامي المتشدد منه والمعتدل.

كما أن الخطر على المنظومة التربوية صار ملموسا من خلال إنشاء لجنة بنزاغو، والتمكين في وزارة التربية والتعليم لتياره، ولو لا المقاومة التي أظهرها رجال التيار الوطني، كأمثال علي بن محمد وعبد القادر فوضيل وعبد الحميد مهري، وتحالفهم في المجتمع مع التيار الإسلامي لكانت الخسائر عظيمة في وقت مبكر. علاوة على التحرش المستمر بقانون الأسرة، والتراجعات الكبيرة في مسيرة التعريب، وفي الاهتمام بالقضية الفلسطينية.   

علم الشيخ محفوظ نحناح بأن النهج السياسي التشاركي مع نظام سياسي مستبد، غير وفي وغير نزيه لن ينفع الحركة فبدأ يبحث عن نهج جديد، وأصبحت أسمع منه – كما سمع غيري – في جلسات خاصة كلاما عن النظام السياسي كان يمنعنا أن نفكر فيه أصلا، وأخذ ينظّر لتوجه جديد في المنهج في كتاب بدأ في تأليفه تحت عنوان ” الدولة وأنماط المعارضة” ولكن فاجأته الوفاة واختفت مسودة الكتاب بشكل غريب.

توفي الشيخ وقد حقق إنجازات استراتيجية جعلت نهجه مدرسة كاملة الأركان، وستبقى تلك الإنجازات التي اشرت إليها – رغم الخسائر المذكورة –  شاهدة له ينالها أجرها وهو في قبره، ولكن كان الأمر يتطلب القيام بمراجعات في النهج السياسي تكمّل المنهج وتزينه ولكن لم يسعفه الأجل رحمه الله، ووجدت الحركة نفسها بعده في مرحلة  رابعة من تاريخها تعمق فيها نهج المشاركة الحكومية، بل تحول إلى منهج اندماجي تام في النظام السياسي رغم التململ  الذي بات واضحا في صفوف الحركة، بل كان يوشك أن يتفجر في وجه الشيخ محفوظ على نحو ما وقع له في لقاء وطني شهير ببومرداس.

لقد كنت من شركاء المسيرة ومن صانعي أبعادها الاستراتيجية ولكن أصبحت غير موافق على الشق السياسي في المنهج في وقت مبكر في زمن الشيخ محفوظ  منذ عام  1997 بعد أن باتت فكرة التحالف مع التيار الوطني وهْما وصار قادة المؤسسة العسكرية [الذين اعتُبر قادتهم في زمن الحراك الشعبي جزء من العصابة ] هم الخطر الأول على مشروعنا وفاعليتنا، وكنت أعبر عن رأيي المخالف بكل حرية، وقد ظهر ذلك للرأي العام لأول مرة عند رفضي التصويت على برنامج أويحيى الحكومي عام 1997 عند رفضه إدخال تعديلاتنا [وتعديلات جبهة التحرير حين كان قادة التيار الوطني الأصلاء هم من يقودها]، وذلك بالرغم  من أنني كنت رئيس الكتلة البرلمانية، كما سميتُ المشاركة الحكومية  “مشاركة عبثية” في أحد الحوارات في جريدة الخبر  في حياة الشيخ محفوظ رحمه الله، وقد قدمت له آنذاك، عام 1997، ورقة حذرت فيها من عواقب ذلك النهج واستشرفت الآفاق المستقبلية في أجل زمني أكدته الثورات العربية وقدمت رؤية بديلة هي التي طبقتُها لاحقا كما سأبينه أدناه.

تابع.. المرحلة الرابعة: “نحو طور جديد”

مداخلة د. عبد الرزاق مقري في الحفل الترحيبي لقمة كوالالمبور

بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول.
صاحب الفضل معالي رئيس الوزراء ورئيس قمة كوالالمبور للفكر والحضارة محاضر بن محمد رئيس وزراء ماليزيا المحترم.
السيدة الكريمة سيتي حسمه بنت محمد علي كريمة د. محمد محاضر المحترمة. متابعة قراءة مداخلة د. عبد الرزاق مقري في الحفل الترحيبي لقمة كوالالمبور

تأملات قرآنية في العلاقة بين الدعوي والسياسي

كل إنسان مؤمن يستفيد من القرآن وفق اختصاصه واهتماماته وحالاته الإيمانية والنفسية والعائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لا شك أن الغالب في التعامل مع القرآن هي الحالات الشخصية، لأن أغلب ما في القرآن عقائد وإيمانيات وأخلاقيات تخاطب الإنسان كفرد لتشكل إيمانه وتثبت اعتقاده وتصلح أخلاقه وتُديم وتُجمّل عبادته، فإن كان المؤمن على هذا الحال من التأثر الشخصي بالقرآن ستكفي الآيات القليلة في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموجودة فيه لتجعل منه صانع نهضة وحضارة. لا غرو أن يُبْقِي الإنسان تفاعلاته الإيمانية مع القرآن لنفسه في الغالب، لأنها لا تهم الناس في الأصل، ولكن حين يتعلق الأمر بالقضية السياسة أو الاقتصادية أو الاجتماعية يشعر قارىء القرآن أحيانا بالحاحة إلى تبادل أفكاره في هذه المجالات مع الناس… لأنها تهم الناس.

آية كريمة استوقفتني في تراويح ليلة من الليالي السابقة أخذتني بعيدا في التأمل في قضية سبق لي أن تناولتها بالدراسة وهي علاقة السياسة بالدعوة.  يقول الله تعالى: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين)) يوسفَ (103). خاطب الله تعالى نبيه الكريم الرحيم بالناس، الحريص على هدايتهم جميعا، بأن حرصك لن يجدي نفعا، وأنك مهما فعلت وبذلت سيكون أكثر الناس غير المؤمنين، وهذه الحقيقة ثابتة إلى يوم الدين أكدتها نصوص كثيرة منها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين”، بل يؤكد  سبحانه وتعالى لنبيه في نفس سياق الآية الأولى أن أكثر من يؤمن في إيمانه شرك، كحال العرب الذين آمنوا بالله وأقروا بوجوده ولكنهم عبدوا غيره وأشركوا به فاعتقدوا النفع والضر والعطاء والمنع عند غيره وفق قوله عز وجل: ((وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ)) يوسف (106)،  وأغلب البشر هكذا، وكم هم كثير في المليار والنصف من المسلمين الذين يفسدون إيمانهم بأنواع كثيرة من الشرك والعياذ بالله، منها ما يفسد الإيمان ومنها ما يبطله. بل الأمر أدهى من هذا حين يخبر الله نبيه بأن كثيرا من هؤلاء لا يكتفون بشركهم لأنفسهم بل يودون وربما يناضلون لكي تشرك مثلهم، قال تعالى: (( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)) الأنعام 116.

تبين هذه الآية بأن الدعوة إلى الله لن تدخل الناس كلهم في الدين مهما فعل الأنبياء، ولو كان سيدهم محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم الذي سيُباهي الأنبياء بعدد أفراد أمته يوم القيامة إذ سيكونون أكثر من بقي على التوحيد بين الديانات والملل والمعتقدات. ومهما اجتهد العلماء والدعاة من بعد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم لن يجعلوا إلا قليلا من الناس مهديين مستقيمين. غير أن هذه القلة المؤمنة المستقيمة التي تحافظ في كل عصر وعهد على التوحيد وعلاقة السماء بالأرض هي ملح الكون التي من أجلها يبقي الكون، وإذا اندثرت فلم يبق منها أحد قامت الساعة كما جاء في الحديث الصحيح (( لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)).

إن هذه الحقيقة النصية القطعية الساطعة تطرح مشكلا أساسيا في فهم نصوص أخرى تتحدث عن غلبة أهل الحق وانتصارهم على الباطل بل تتحدث عن ظهور الإسلام على غيره من الملل كما جاء في قوله تعالى قي سورة الفتح :(( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق ِّلِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا)) (28) وقوله تعالى في سورة التوبة :(( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون))َ (33)، وقوله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)) غافر 51، وقوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) النور (55)، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (1920) من حديث ثوبان، رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”

إن الممارس الذي يعاني تناقضات الحياة وتعقيداتها، ويعيش طبيعة الصراع الدائم بين الحق والباطل، أفرادا ومجتمعات وأمما، فيغلب الحقُّ تارة ويُهزم تارة وفق سنة التداول التي ذكرها الله في كتابه بقوله: ((إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين))َ (140)، لَيَتأكد لديه بأن هذه النصوص تتحدث عن عالمين مختلفين  تبدو لغير المتأمل أنها متناقضة. فإذا ما أدرك ذلك عرف لماذا وكيف غلب حين يغلب ، وحين ينهزم لماذا وكيف انهزم، حتى يستقر المنهج في فكره وحياته متى وكيف ينتصر أو ينهزم في مقارعته للظلم وأهله.

إن الآيات الأولى تتحدث عن عالم الدعوة التي هدفها هداية الناس وإعلاء القيم، وهي من ناحية الأعداد والانتشار محدودة النتائج ولكن في مجال الأثر في الحياة كبيرة الأثر ، حيث أنها تفلح دائما في البقاء والنمو، وإذا تعرضت للصد والقمع لا يستطيع أحد استئصالها مهما بلغ من قوة ومهما كان مكره وعدوانه، ولن ينتهي وجودها من الأرض إلا بإرادة الله حين يبلغ موعد قيام الساعة فيقبض إليه آخر من بقي من المؤمنين فلا يفزعهم هول قيام الساعة كما في النصوص الصحيحة الواردة في الموضوع. وبالإضافة إلى دور الدعوة في هداية الخلق إلى التوحيد والاستقامة وعبادة الله سبحانه، فهي تساهم كذلك في نشر القيم العليا المشتركة بين الخلق وإعلائها بين الأمم، كافرهم ومسلمهم، ملتزمهم وعاصيهم، لحفظ توازن الحياة البشرية واستمرارها ضمن منهج إتمام مكارم الأخلاق المتأصلة في الفطرة البشرية مهما كانت معتقداتهم، كقيمة الصدق والكرم والحلم والشجاعة والنجدة والعدالة وغيرها مما قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن عن أبي هريرة: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وأما الآيات الثانية، فإن المقصود بها عالم السياسة، الذي يُطلب فيه من المؤمنين والمصلحين أن يكونوا قادة للناس لتحقيق مصالح الخلق، وحمايتهم من شرور أنفسهم وشرور بعضهم بعضا، وأن تكون راية الإسلام عالية وحكمه ماض وعدله جار في المسلمين وغير المسلمين، وفي الملتزمين من المسلمين وغير الملتزمين، ومن شاء من الناس في حكم الإسلام أن يؤمن فليؤمن ومن شاء فليكفر فليكفر، ولا يُكره أحد في دينه ومعتقداته، ولا يطلب من الناس طاعة إلا بقدر بسط العدل بينهم، وتحقيق مصالحهم التي هي واجبات الدولة، وبقدر توفر الحرية بما يجعلهم قادرين على اختيار الحاكم وعزله واختيار القوانين التي يذعنون لها ويلتزمون بها بقناعة وحب، ومن خالفها تحق عقوبته بعدل الدولة وبإنكار المجتمع ذي الضمير والخلق القويم. 

لا شك أن إقامة حكم بهذا النوع لا يكون بالمتدينبن فقط، سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الأمة أو على مستوى العالم، إذ هم في كل الأحوال قلة بين الناس، ولكن يكون الحكم وإدارة الدولة بهم وبغيرهم، ولذلك تشكيل القوة للوصول إلى التمكين والنفوذ لا يكون على أساس علاقات دعوية، بل على قواعد سياسية تدور حول المصلحة، سواء المصلحة العامة التي قد تكون مساحة الاهتمام المشترك لتشكيل الأحزاب والمنظمات والأحلاف ومراكز التأثير، وقد تكون المصالح الخاصة الشرعية التي تشكل مواطن الجذب لتركز القوة في بؤرة واحدة يتحقق فيها الطموح الشخصي المادي أو المعنوي. والعبقرية كلها في دائرة السياسة بالنسبة للمتدينين المصلحين المشتغلين في هذه الدائرة السياسية أن يكون لهم برنامج وخطاب وسلوك ومشاريع وعلاقات تحقق هذا، فإن تمكنوا لن يستمروا في الحكم بإكراه الناس على فكرهم وبرنامجهم ولكن بمدى مصداقيتهم وهم في الحكم وبمدى تحقيق برامجهم وأفكارهم لمصالح الناس المادية والمعنوية. وبخصوص برنامجهم فهو برنامج للمواطنين جميعا وليس للمتدينين فقط، من حقهم أن يضعوا فيه فكرهم الإسلامي وبدائلهم التي يستلهمونها من الكتاب والسنة، ومن حقهم، بل واجبهم، أن يعتقدوا بأن برنامجهم هو الأصلح للبلاد والعباد، ولكن لا يتوقعون أن الناس يختارونه لأنه يمثل الدين، أو لأنهم يتكلمون باسم الدين. لا شك أن ثمة من المسلمين من يميل لهذا البرنامج لأنه يمثل لهم انسجاما نفسيا وربما فكريا مع معتقداتهم، ولكن ليس هذا الذي يجعل عمومهم يجزمون بدعمه واختياره ومناصرته والدفاع عنه. ما يجعلهم يفعلون ذلك هو مدى تحقق مصالحهم فيه، وهناك خلق كثير من غير المسلمين وغير الملتزمين لا يختارونه إلا لهذا، أي من أجل مصالحهم.

ومن هنا تنهار كلية القاعدة المطلقة والطريق الحتمي الوحيد للتغيير الإسلامي، الذي شاع عقودا طويلة في القرن الماضي بين  الإسلاميين، المسمى “التغيير من الأسفل” ، أي أنه لا يمكن وفق هذه النظرة إقامة الحكم الإسلامي إلا بعد إنشاء قاعدة تربوية واسعة. لقد أكدت التجربة العصرية في مصر وتركيا ما أكدته تجارب التاريخ من قبل في قيام الدولة الأموية وتجربة عمر بن عبد العزيز.  لقد عجزت القاعدة الإسلامية التربوية قي مصر  على تحقيق التمكين حين عجز قادة هذه القاعدة التربوية العريضة عن استعمال القواعد السياسية للتغيير، رغم الفرصة العظيمة التي أتيحت على إثر الربيع العربي.  و في نفس الوقت نجحت الدعوة في بناء نخبة قليلة استطاعت أن تتمكن وأن تصنع التغيير في تركيا وفي الأمة حين عملت بأخلاق الدعوة ولكن بقواعد العمل السياسي الذي يدور حول المصلحة العامة والمصالح الشخصية المشروعة، في محيط شعبي ورسمي علماني أكثره غير ملتزم باشتراطات الدعوة. وعلى مستوى التجارب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإسلامي  يمكن أن نتحدث عن تجربة الأمويين الذين قدروا على فرض أنفسهم في الدولة بقواعد الصراع السياسي ضمن  مجتمع أسياده صحابة رضي الله عنهم وتابعون رحمهم الله، ثم ثمة تجربة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه – على نقيض ذلك – الذي استطاع أن يصل إلى الحكم ويصلح من فوق في بيئة حكم فرضها بالسيف الحجاج بن يوسف.

فالعلاقة إذن بين الدعوة والسياسة علاقة تأثير متبادل وفق سنن اجتماعية وفرص يصنعها حراك البشر وفق مقادير يقدرها ويؤقتها الله يسخر لها من لهم أهلية وكفاءة في اهتبال الفرصة وإدارة الصراع وصناعة التأثير، وقد تفلح الدعوة في إعداد بيئة مجتمعية تصلح الحكم، وقد يفلح الحكم في إعداد بيئة سياسية تصلح المجتمع.  

وفي الأخير فإن القاعدة الذهبية التي يجب أن نحفطها كنتيجة لهذه الجولة الفكرية الرمضانية هو أن المصلحين لا يستطيعون تغيير الأوضاع الوطنية والدولية المنحرفة بعدد الصالحين ولا بقوتهم الذاتية فحسب، فهم مهما كانت قوتهم وتضحياتهم، أضعف بكثير من  القوى المتسلطة وطنيا وإقليميا ودوليا، يؤكد ذلك التاريخ والنصوص، وإنما ينجحون في ذلك إذا أحسنوا الأداء ووضعوا أنفسهم في المكان المناسب. إن هم فعلوا ذلك ستدركهم السنن الاجتماعية إذا تحركت فتحملهم إلى موقع القيادة والريادة فيكون انتصارهم بالسنن الاجتماعية، بحسن الإعداد وإدارة الصراع والقدرة على الاستفادة من قوى التأثير الأخرى … ولنا أن نتأمل كم مرة تحركت السنن الاجتماعية فكان الصالحون غير جاهزين لاغنتامها، لعجزهم وقلة كفاءتهم أو ربما لأنهم اعتقدوا بأن الله سيوفقهم لأنهم صالحون فحسب !  

بحث: الحكم الراشد وآليات مكافحة الفساد

 ملخص بحث: الحكم الراشد وآليات مكافحة الفساد.

د. عبد الرزاق مقري

الأمين العام لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة

هذا البحث عبارة عن كتاب ألفته ثم قمت بتحيينه للمشاركة به في المؤتمر الثالث لمنتدى كوالالمبور  بالخرطوم – السودان في 17-18-19 نوفمبر 2016، وقد قمت بتلخيصه إلى سبع صفحات على النحو التالي:  

يحتوي البحث فصلين كبيرين هما موضوعه: أسس الحكم الراشد ومكافحة الفساد.

أما الفصل الأول فيشمل مبحثين:  يهتم المبحث الأول بتحديد معنى الحكم الراشد وشروطه وفق نصوص الأمم المتحدة، وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء تحديدا، نؤكد فيه بأن نظريات الإصلاح المعروضة علينا من المنتظم الأممي مقبولة في مضمونها، وأنها سبيل للإصلاح فعلا، ويتضح من ذلك، بشكل تلقائي، بأن سياسة استغلال المنظمات الدولية من القوى الدولية أمر مناقض لما تريده هذه المنظمات. أما المبحث الثاني : فهو خلاصة لما يتضمنه الفكر الإسلامي في الموضوع من خلال تحديد أسس الحكم الراشد في الإسلام من ناحية التجربة والنظرية السياسية، أدرجناه للاستئناس، وليظهر للقارئ بأننا بمطلب الإصلاح لا نبتدع شيئا، بل نسير على رضوان الله، وهدي رسوله، وخطى الخلفاء الراشدين إن شاء الله، فيزداد حماسمنا  وأنسنا وعزتنا بما نقوم به من استمرار المطالبة بالإصلاح، لتنعم أمتنا بالخير والفلاح.                                 

وأما الفصل الثاني: فهو عبارة عن مجموعة من الدروب الموصلة لرشد الحكم من خلال مكافحة الفساد

الفصل الأول: في الحكم الراشد.

المبحث الأول: في معنى الحكم الصالح وشروطه في المنظومة السياسية العصرية

قبل الحديث عن الحكم الراشد (أو الصالح) لا بد أن نحدد معنى الحكم ذاته، فكلمة الحكم التي نقصدها في بحثنا هي التي تعني ممارسة السلطة وإدارتها لشؤون المجتمع، وموارده، وتطوره الاقتصادي والاجتماعي.

أما عن الحكم الراشد، أو الحكم الصالح، فإن هذه العبارة أصبحت شائعة في القاموس المعاصر للشأن السياسي والعلاقات الدولية فهي في تأتي في أدبيات الأمم المتحدة ضمن إطار حكمي وقيَمي للتعبير عن ممارسة السلطة السياسية لإدارة شؤون المجتمع، بما يجعل هذا المجتمع ناميا ومتقدما ومتطورا بمشاركة جميع أفراده وبراضهم، وبما يجعل ظروف هؤلاء المادية والمعنوية في تحسن مستمر.

     وعلى هذا الأساس فإن برنامج الأمم المتحدة للإنماء يشترط في الحكم الصالح ثلاثة أبعاد متكاملة غير قابلة للتجزئة وهي : البعد السياسي المتعلق بطبيعة السلطة السياسية وشرعية تمثيلها، والبعد التقني المتعلق بطبيعة الإدارة العامة وكفاءتها وفاعليتها، والبعد الاقتصادي ـ الاجتماعي المتعلق بطبيعة بنية المجتمع المدني ومدى حيويته واستقلاله من جهة، وطبيعة السياسات العامة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وتأثيرهما في المواطنين من حيث الفقر ونوعية الحياة، كما علاقتها بالطبع مع الاقتصادات الخارجية، والمجتمعات الأخرى من جهة أخرى، ثم أضيف بعد رابع متعلق بالبيئة وحماية المحيط يما يجعل التنمية مستدامة توفر الحياة السعيدة للإنسان في الآن وتحفظ حقوق الأجيال.

بغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية الذي قد يتضمنها هذا التعريف فإن الشروط التي ينص عليها ترتكز على دراسة عميقة وواقعية لتطور أوضاع المجتمعات وأنظمة الحكم في العالم،  فلا يتصور فعلا أن يكون حكم راشد من دون منظومة سياسية تقوم على أساس الشرعية والتمثيل، فلا يعقل لحكم قائم بالتسلط، معزول عن السكان أن يؤدي إلى وضع صالح وراشد في مختلف نواحي الحياة، يلبي فيه الناس طموحاتهم وتحقق حاجاتهم . فالشرعية والتمثيل هما  اللذان يعبران عن الصلة الصحيحة بين الحاكم والمحكوم وهما اللذان يؤديان إلى التفاعل الإيجابي بين الطرفين بما يحقق التوافق والتعاون والتناصر والانصراف إلى خدمة الصالح العام، الذي تتحق في إطاره مصالح الأفراد بشكل أشمل وأعم، بدل الاشتغال بالتنازع الذي تتوقف فيه عجلة البناء وتضيع فيه مصالح أغلب الناس . ولا بد من القول بأن النظام الديموقراطي يمثل أحسن ما وصلت إليه البشرية لحد الآن  لتحقيق هذا الغرض.

إن البعد السياسي هو البعد الأساسي في الشروط الثلاثة التي يذكرها تعريف منظمة برنامج الأمم المتحدة للتنمية، باعتباره يؤثر تأثيرا مباشرا في الشروط الثلاثة الأخرى بل هو شرط سابق لهما، غير أن البعد السياسي وحده لا يكفي فلا بد من توفر منظومة إدارية عامة فاعلة ملتزمة بالإصلاح فكرا وسلوكا وأداء، فمن دلائل رشاد الحكم صلاح إدارته ، فالإدارة هي الوسيلة المباشرة لتنفيذ مشاريع الإصلاح،  والإدارة التي تقدر على هذا لا بد أن تتوفر فيها شروط أساسية، منها ما يتعلق بالإنسان من حيث كفاءته وسلوكه وتفانيه في العمل وقدرته على التطور، ومنها ما يتعلق بالنظم الإدارية، والإجراءات المعمول بها، وقواعد التسيير، وطرق التوظيف، ومعايير التولية والترقية، وقواعد التحفيز، وبرامج التطوير والتدريب. ومنها ما يتعلق بوظيفة التخطيط، وطرائق اتخاذ القرار  في كل مستوى وبين مختلف المستويات. و منها ما يتعلق بمستوى الخدمة العمومية المقدمة للمتعاملين والمواطنين من حيث السرعة والنجاعة والنوعية والشفافية. ومنها ما يتعلق بالقدرة على استعمال الوسائل التقنية الحديثة والتطور معها والاستفادة منها .                        

     إن رشاد المشروع السياسي في البلد الذي يريد الإصلاح، ومستوى الأداء والخدمة الذي تتميز بها الإدارة، لا بد أن يؤديان مباشرة إلى حصول نتيجة صالحة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فتتحسن أوضاع الناس، ويشعرون بمتعة العيش في بلدانهم، فيتمسكون بها،  و لا  يلجؤون لمغادرتها والهجرة  لعمارة بلاد أخرى غير بلدانهم، يضطرون فيها للتخلي عن كرامة المواطنة، وربما عن قيمهم وثقافتهم . و المنظومة الاقتصادية والاجتماعية التي تتناسب مع معايير الإصلاح والرشد لا تعني الاقتصاد الريعي الذي لا  يعبأ بمشاركة المواطنين في بناء الثروة الوطنية، ولا الاقتصاد الذي تسيطر عليه أقلية رأسمالية متوحشة يضمن التوازنات الكبرى ولكن ينتج الفقر بالجملة، ولا الاقتصاد القائم على المساعدات الأجنبية، والمكبل بالمديونية، الذي يسير أزماته بخدمة سياسات أجنبية مقابل البقاء. إن الحكم الراشد هو في نهاية الأمر الحكم الذي يقدر على ضمان حاجات الناس في الآن، وحاجات الأجيال في المآل، ولا يكون ذلك إلا بإدراك الحاكم لضرورات التنمية الاقتصادية، وآثارها على حياة الناس وعلى استقرار البلد وانسجامه وسيادته، وبالأخذ بالأسباب المؤيدة لرفع تحدي التنمية والتقدم والتطور، ولا توجد معجزات في هذا المجال، فلقد استطاعت دول لا تملك ثروات ولا إمكانات، ولا موقعا جغرافيا مناسبا، و لا موارد بشرية كافية أصلية، أن تحقق الوثبة الاقتصادية حينما كان حكمها راشدا، في حين أن دولا تملك أكثر مما ذكر عجزت في ذلك، لأن حكمها لم يكن صالحا، رغم الشعارات والادعاءات. لا توجد فعلا معجزات، وإنما هو سداد الرأي والأخذ بأسباب العلم، ومكافحة الفساد المكبل للاقتصاد، والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، وتحديد الأولويات التنموية الاستراتيجية وفق مؤهلات البلد وظروفه وفرصه ، وتتكفل الدولة وفق ذلك بالمجالات الاستراتيجية، خصوصا باهضة الثمن منها الهياكل القاعدية والصحة والتعليم  وغيرها ، وتشجيع القطاع  الخاص وتمكينه من أداء دوره وتحقيق التكامل معه، وإتاحة الفرصة له ليصنع الحياة في مختلف المجالات في قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات ، وفسح المجال لبروز مجتمع مدني فاعل ومفيد ومستقل وتلقائي، يساهم في المراقبة والمساءلة من جهة، وفي تثقيف أفراد المجتمع وإعانتهم على تطوير أنفسهم والدفاع عن حقوقهم من جهة أخرى، كما يمكنه كذلك أن يتحمل جزء مهما من الأعباء الاجتماعية من خلال المساعدات المباشرة  أو بمساعدة الأفراد لدخول عالم الشغل وبناء المؤسسات الصغيرة، ونعني بالمجتمع المدني تبعا لهذه الوظائف مجموعة الجمعيات التي ينظم المجتمع نفسه بواسطتها بشكل طوعي، و النقابات العمالية، والجمعيات والروابط المهنية، وشبكة المنظمات غير الحكومية الدفعية والحقوقية، والجمعيات الثقافية والخيرية والإغاثية والدينية، والتعاونيات الاجتماعية، والاتحادات الطلابية والشبابية والنسوية والنوادي الرياضية والفنية، وجمعيات رجال الأعمال، وهيئات الرأي والإعلام،  وجمعيات الدفاع على البيئة، ومراكز البحوث والدراسات، والمؤسسات الأكاديمية وغيرها ، ويمكن أن نضيف إليها الأحزاب السياسية على اختلاف بين المتخصصين في انتمائها للمجتمع المدني أو أجهزة الدولة خصوصا إذا كانت ممثلة في البرلمان.

      إن تحالف الرؤية الاستراتيجية للدولة وقيامها بدورها المنظم والمحفز والمسهل والمشارك في المجالات الاقتصادية الاستراتيجية من جهة، مع حيوية وجدية القطاع الخاص وتشعب وتنوع وفاعلية المجتمع المدني من جهة أخرى ـ ضمن منظومة قانونية شفافة ومتكاملة وصارمة ومرنة وفي إطار الحرص على تطبيقها ومحاربة ما يفسدها ـ  يجعل الحكم صالحا بكل المقاييس، مؤديا فعلا لتحقيق الآثار الإيجابية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

     غير أنه لا بد من تحديد المقصود من النجاح في المجال الاقتصادي والاجتماعي. إنه لم يصبح مقبولا تعريف النجاح الاقتصادي بتحقيق معدلات تنموية عالية، والتوقف عندها. لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية في عدة دول  بأن  المعدلات التنموية المرتفعة، واستقرار التوازنات المالية الكبرى، لا تكفي لمحاربة الفقر، ولا تؤدي للتوزيع العادل للثروة، كما أن تحسن الدخل القومي لا يعني تلقائيا تحسين نوعية حياة المواطنين . لهذه الأسباب تغيرت مفاهيم التنمية في المؤسسات الدولية، من التركيز على النمو الاقتصادي، إلى التركيز على التنمية البشرية، ثم التنمية البشرية المستدامة التي تضمن حقوق الأجيال القادمة، أي الانتقال من الرأسمال البشري إلى الرأسمال الاجتماعي، وصولا إلى التنمية الإنسانية. ويمكننا في هذا الإطار أن نتفق على المؤشرات الخمسة التي وضعها برنامج الأمم المتحدة للإنماء لقياس التنمية البشرية المستدامة في أي بلد:

1 ـ التمكين : أي توسيع قدرات المواطنين وخياراتهم، وإمكانية ممارستهم لحرية الاختيار بعيدا عن الجوع والحرمان، وبالتالي إمكانية مشاركتهم الفعلية في القرارات التي تتعلق بحياتهم وتؤثر فيهم.

2 ـ التعاون : وفيه تضمين لمفهوم الانتماء والاندماج والتضمينية كمصدر أساسي للإشباع الذاتي الفردي، حيث التعاون هو التفاعل الاجتماعي الضروري، وتكون التنمية البشرية معنية بهذا البعد.

3 ـ العدالة في التوزيع : وتشمل الإمكانيات والفرص وليس فقط الدخل، وكمثال على ذلك حق الجميع في الحصول على التعليم .

4 ـ الاستدامة : وتتضمن القدرة على تلبية حاجات الجيل الحالي من دون التأثير سلبا في حياة الأجيال اللاحقة، وحقها في العيش الكريم.

5 ـ الأمان الشخصي : ويتضمن الحق في الحياة بعيدا عن أية تهديدات أو أمراض معدية أو قمع أو تهجير.

المبحث الثاني: في حقيقة وأسس الحكم الراشد في الفكر  الإسلامي

إن الصلاح، أو الرشد،  هو مقصد الدين، إذ لا معنى للإيمان بدون عمل صالح، والصلاح في دوائر الحكم من أوجب الواجبات.

إننا لا نريد أن نكون ممن يبالغون أثناء تمجيدهم للتجربة السياسية الإسلامية في مجال الحكم، فلا يعترفون بضعف اعتراها، أو انحراف أصابها. كما أننا لا نريد أن نكون ممن يظلمون تجربة الحكم الإسلامي، فيصفونه بالانحراف على طول التاريخ . لا يستطيع أحد أن ينكر بأن التجربة الإسلامية تضمنت نموذجا ساطعا للحكم الراشد ونظرية سياسية متكاملة أسست له، ولها القدرة على التكرر متى توفرت شروطها.

إن الدراسة المعمقة في الفكر السياسي الإسلامي لكبار العلماء الذين اهتموا بما سمي بالسياسة الشرعية أو الفقه السياسي، أو فقه إدارة الشأن العام مثل أبي عبد القاسم بن سلام وأبي يوسف، والشيباني الذي عده الغربيون مؤسس القانون الدولي، وعبد الرحمن بن خلدون، رائد مدرسة الاجتماع السياسي صاحب المقدمة، وأبي إسحاق إبراهيم الشاطبي صاحب الموافقات ونظرية المقاصد، وأبي الحسن علي بن محمد الماوردي البغدادي صاحب (( الأحكام السلطانية ))، وغير هؤلاء كثير كأبي حامد الغزالي وأستاذه الجويني والباقلاني والبغدادي والرازي واللآمدي وأبو يعلى وابن تيمية وابن قيم والقلشقندي، و كذلك بعض من نقل عن تجارب الأمم الأخرى في مسألة الحكم الراشد كابن المقفع والجهشياري والماوردي نفسه، يستخرج نظرية سياسية متكاملة في الحكم الصالح في عصرهم ووفق ظروفهم، لم تصل إليها الأمم الأخرى في تلك المرحلة.

وأهم ما في هذه النظرية أن دائرة السياسية في الشريعة الإسلامية من أوسع الدوائر، من حيث مجال الاجتهاد والابتكار المتجدد ضمن الدوائر الأخرى، كالعقيدة والعبادات وجوانب كثيرة من المعاملات، حيث أن فترة الخلافة الراشدة نفسها لم تحسم قضاياها السياسية الجوهرية من خلال نصوص قطعية إلزامية، بل تُرك الأمر للاجتهاد، وعلى رأس هذه القضايا مثلا قضية التولية، أو ما يسمى في المصطلح السياسي المعاصر بقضية التداول على السلطة، فلم يستقر المسلمون على طريقة واحدة.

إننا حينما ندرس مصنفات أولئك العلماء نجد علما غزيرا يستفاد منه وحينما نجتهد في معرفة على ما يجتمعون في تحديد معالم الحكم الراشد نجدها أربعة قواعد وأسس فصّلت فيها كثيرا في البحث وأكتفي هنا بذكرها فقط وهي :   العدل، الشورى، القانون ( أو الشريعة)،  المسؤولية. مع التأكيد بخصوص المسؤولية أن المسؤولية في الفكر الإسلامي ترتكز على العقد الاجتماعي المبرم بالبيعة بين الحاكم والمحكوم، وبينت هنا  أن المسؤولية المقصودة هنا هي المسؤولية الدنوية بالأساس، إذ المسؤولية الدينية يحاسب عليها الإنسان في حياة أخرى غير هذه الحياة، وإنما تكون هذه المسؤولية الأخرى أساسا لصلاح الإنسان ليسعد كذلك في دنياه.

الفصل الثاني: في آليات الحد من الفساد

المبحث الأول: خصصته لتعريف الفساد شرعا وفي الفكر المعاصر.

المبحث الثاني: في محاربة الفساد والتعسف في استعمال السلطة في الفكر الإسلامي: ركزت فيه على النصوص النظرية المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن مؤسسة الحسبة كتجربة تاريخية: وقد بينت بشكل مجمل بأن الفكر الإسلامي يعتبر الفساد ظاهرة بشرية لقوله تعالى ((ظهر  الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون )) وأن محاربتها تكون أولا بالتربية الأخلاقية وإحياء الضمير وثانيا بالتدافع (( ولو دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)).

ثم فصلت في مبحث ثالث في آليات محاربة الفساد والتعسف في استعمال السلطة وقسمتها إلى آليتين : آليات داخلية وطنية وآليات دولية.

أ ـ في الآليات الداخلية للحد من الفساد والتعسف في استعمال السلطة .

قبل الحديث عن الآليات بينت بأن الفساد والتعسف في استعمال السلطة نزعة شريرة كامنة في المجتمعات  الإنسانية لا يخلو منها مجتمع، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي يحكمه. فلم يسلم منه مجتمع المدينة المنورة على عهد الرسول الذي بادر لمحاربة بذوره بنفسه عليه الصلاة والسلام ،  كما لم يسلم منه كذلك أي نظام من الأنظمة التي جربها الإنسان عبر العصور، بما في ذلك النظام الديموقراطي العصري الذي رغم قيامه على أساسي المساءلة والشفافية عجز على منع حصول فضائح مالية وأخلاقية مرتبطة باستغلال السلطة. ولو عملنا على مزج الرصيد القيمي والتاريخي الهائل الذي يمثله الإسلام، بالآليات الفعالة والأدوات الناجعة التي تميز النظام الديموقراطي، لأمكننا محاصرة ظاهرة الفساد واستغلال السلطة، وربما القضاء عليها . وقد أخرجت من هذا المزج عشرة وسائل للحد من الفساد وأول ما يستفاد منه في هذا المزج، الاعتماد الأولي على التوعية الأخلاقية والدينية، وإحياء الضمير الفردي والجمعي للقضاء على الفساد والتعسف في استعمال السلطة، وتحفز الجميع للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل في موقعه، وجعل هذا الانحراف مبغوضا في المجتمع، وتأتي بعد ذلك الوسائل المؤسساتية ( البنيوية) فتؤتي ثمارها بقدر أوفر.

     ومن هذه الوسائل المؤسساتية الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية ليكون التدافع سلميا حضاريا مؤسسا للرشد. ثم تأتي مؤشرات أخرى كثيرة تؤكد على رشد الدولة والمجتمع ، مثل تبني لائحة الحقوق التي تضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية كأساس دستوري سبق إليه الإسلام بصحيفة المدينة و خطبة حجة الوداع، وكذلك احترام مبدأ سيادة القانون، و التعددية الحزبية والسياسية، وتمكين المجتمع المدني من سلطة المشاركة ومقاومة حالات تعسف الحكام في استعمال السلطة.

    وبالإضافة إلى هذه الوسائل الحادة للفساد واستغلال السلطة نجد وسائل الإعلام والاتصال، وتبني  الإجراءات التي تضمن النزاهة والمساواة من قبل نظام الحكم، إنشاء مكتب الوسيط ( أمبدوسدمان) أو ديوان حماية المواطنين الذي يستقبل شكاوى الناس، وسائل الرقابة البرلمانية المتعددة، لجان التحقيق الخاصة ، وكذلك وسائل الضغط التي ينتهجها المجتمع الدولي .

ب ـ الآليات الدولية للحد من الفساد والتعسف في استعمال السلطة :   

وقد ركزت في هذا الجزء من البحث على منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية الدولية وـ المنظمات غير الحكومية فشرحت دورها وبينت تاريخ وظروف نشأتها وأنواعها، وبالإضافة إلى ذلك بينت انحرافاتها الكبيرة وفقدان شرعية الكثير منها، ثم تحثت عن سبل إصلاحها لتؤدي دورها المنوط بها والنافع للبشرية والمساعد على مكافحة الفساد وتجسيد الحكم الراشد في كل البلدان.