dostor

الدستور الممنوح .. والمعارضة

 لقد كان متوقعا أن يلجأ النظام السياسي، بعد فرض إرادته في الانتخابات الرئاسية، إلى القيام بإصلاحات تجميلية يفك بها عزلته ويعطي لأنصاره موضوعا للحديث، ولخصومه غير المبدئيين حبلا للنجاة، ولخصومه المبدئيين صفعة تشتتهم وتلهيهم عن التركيز في ما هو أهم، وليعطي للخارج المتواطئ معه واجهة ديمقراطية ترفع عنهم العتب والحرج. وكان ما توقعناه، ها هو ذلك يحدث بشكل أسرع مما سبق، وسبب السرعة بالنسبة لهذه الأساليب المكررة البالية أن المعارضة الجادة المبدئية هي هذه المرة أكثر جدية وعزما. والذي يهمنا في الموضوع ليس أنصار النظام السياسي، ولا الخارج المتواطئ معه وإنما هي المعارضة السياسية الممثلة في الأحزاب والشخصيات والمجتمع المدني، في ما بينها وداخل كل منها. من كان منها يعيش حالة أزمة داخلية ونفسية وفقدان الرؤية، وكان عمق معارضتها هو البحث عن التموقع الحزبي و\ أو الشخصي فقط سيتعامل مع مبادرات السلطة لاحتواء الساحة السياسية بقدر ما تتيحه له هذه المبادرات من فرص التموقع والانتفاع. وقد يكون هذا الطموح الحزبي و\أو الشخصي عاليا، كالبحث عن الالتحاق بمن ساند الحاكم المتغلب من قبل فكسب، وقد يكون الطموح بسيطا تافها وهو البحث عن طوق نجاة يخرج الحزب و\أو الشخص من حالة المواجهة السياسية مع الحاكم المتغلب بغرض الركون إلى الراحة والابتعاد عن حلبة الصراع السياسي السلمي. سيهتبل هذا النوع من المعارضة الفرصة للتعامل مع الإصلاحات التجميلية للحاكم المتغلب، فهي فرصة وطوق نجاة بالنسبة له ( كحزب أو كشخص)، فإن حقق الأكثر طموحا مبتغاه فسيدخل في الصف وإلا فسيعود للمعارضة من جديد، بنفس المقصد وبنفس النهج: البحث عن الفرصة للتموقع الحزبي و\أو الشخصي. وأما الأقل طموحا فإنه يتمنى أن تحفظ له هذه الإصلاحات الترقيعية ماء الوجه فتتيح له الخروج من تحمل أعباء التغيير، ولو تطلب الأمر منه التنازل عن ثلثي مطالبه وتعريض مشروع التغيير للتشتت، وربما إعدام فرص كل إصلاح في أي مجال من المجالات. إن هذا الصنف من المعارضة هو الأخطر على المعارضة، وهو الأقدر على تشتيتها من السلطة ذاتها، بل هو أحسن حليف لهذه السلطة ولو بطريقة موضوعية غير مباشرة.
أما الأحزاب و\أو الشخصيات المبدئية، فإن الأزمة بالنسبة لهم ليست في نفسياتهم وأحزابهم، وإنما هي في الجزائر بلدهم، وبلد آبائهم، وبلد أبنائهم، وبلد أبناء أبنائهم إلى الأبد. وحكمهم على كل مشاريع الإصلاح والتغيير هو بمقدار قدرة هذه المشاريع على إخراج البلد من الأزمة، لتكون الجزائر آمنة ومستقرة اليوم وغدا، في زمن هذا النظام وبعده، لتكون متطورة، متحضرة، يعمها العدل والحرية، تحكمها الإرادة الشعبية المستقلة، لا نفوذ فيها للفاسدين والفاشلين، ولاخنوع للأجنبي في قرارها وسيادتها وثرواتها ، تستعمل مواردها الطبيعية من أجل بناء اقتصاد قوي مستقل عن المحروقات يؤمن غذاءها ودواءها واحتياجاتها التي تصون استقلالها، تُدفع فيها أجور العمال من الثروة التي جعلها الله ضمان كل شعب وكل أمة وهي عقول وسواعد البشر وليس من الريع النافذ حتما. إن الأزمة التي يجب أن تحل، بالنسبة لهذا النوع من الأحزاب والشخصيات، ليست أزمة الأحزاب و\أو الشخصيات، ولا أزمة نظام الحكم وأنصاره وليست أزمة الخارج المتواطئ، إنما هي أزمة الجزائر.


عبد الرزاق مقري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *