8

الثورة المضادة وصراع المشاريع في المنطقة العربية (2)

الحوثيون والثورة المضادة/ كنت أود أن أتحدث عن ظاهرة الحوثيين وما يصنعونه في اليمن كنتيجة لتحليل الوضع في المنطقة كلها ولكن خشيت أن يطول الأمر فتتجاوز الأحداث الموضوع وتغيب فرصة لتوعية الرأي العام بهذه القضية المهمة التي تساعد كثيرا في فهم التطورات الدولية والإقليمية.
تحدثنا سابقا عن المشاريع المتصارعة في المنطقة وسنتحدث لاحقا عن أبعاد وخلفيات كل مشروع وحدود الالتقاء والصراع بينها، وأكتفي بالقول في هذا المقال بأن ما يحدث في اليمن هو التقاء مصالح ثلاثة مشاريع وهو المشروع السعودي الخليجي والمشروع الغربي الصهيوني والمشروع الإيراني. فقد اتفق هؤلاء جميعا على استئصال واجتثاث التجمع اليمني للإصلاح بشكل كلي وإلى الأبد. ويندرج ذلك ضمن مخطط القضاء على جماعة الإخوان والمسلمين في المنطقة، وذلك رغم تصريح قيادات التجمع اليمني للإصلاح منذ سنوات طويلة قبل الثورات العربية والانقلاب العسكري في مصر بأنهم لا علاقة لهم تنظيمية بحركة الإخوان في مصر، وكانوا دائما من التنظيمات الإسلامية الأقل تواصلا بينها وبين التنظيمات الإسلامية الأخرى. وسأتحدث لاحقا عن الأسباب العامة لتكالب السعودية وتآمر إيران ضد هذا النوع من التنظيمات الإسلامية.
يعتبر التجمع اليمني للإصلاح حزبا له مميزات يختلف بها عن باقي الحركات الإسلامية، فهو حزب مرتبط كثرا بالبعد القبلي وهو متأصل في قبيلة كبيرة ومركزية هي قبيلة حاشد، وهو حزب مسلح كما هو حال كل القوى اليمنية الأخرى، وهو كذلك حزب يرتبط تاريخه بالتاريخ الوطن
ي لليمن وله بالخصوص مآثر كبيرة في توحيد هذا البلد حيث خاض المعارك العسكرية الكبرى التي أدت لقيام الجمهورية اليمنية الموحدة وأصبح بعدها طرفا مهما في تركيبة السلطة سواء على مستوى المجلس الرئاسي مع علي عبد الله صالح ممثلا بالشيخ الزنداني أو على مستوى الحكومة ومختلف مؤسسات الدولة، ثم خرج للمعارضة حينما أدرك استحالة إصلاح الحكم من الداخل وأصبح يعمل ضمن تنسيقية كبيرة للمعارضة تسمى “اللقاء المشترك”، فهو بالتالي جزء أساسي في العملية السياسية اليمنية وله مكانة مركزية فيها، ولا يمكن حصول أي تطور سياسي دون حضوره فيه. وبالرغم من منهجه الوسطي واهتمامه بمختلف صنوف الأنشطة المدنية تسببت مكانته تلك في إحراج مختلف المشاريع الأخرى المتصارعة في المنطقة لأسباب لا تتعلق بالتجمع وحده ولكن لأسباب تتصل بطبيعة هذا النوع من المنظمات الإسلامية السنية سنعود لشرحها لاحقا.
من أكبر المشاريع والقوى التي أحرجها مركزية التجمع اليمني للإصلاح القوى الثلاثة التي ذكرتها أعلاه فقررت التحالف ضمنيا أو بشكل مباشر لسحقه على أن تسيّر خلافاتها وصراعاتها بعد ذلك بطرق أخرى. فُسح المجال للحوثيين ليؤدوا هذا الدور، والحوثيون كما هو معلوم يمنيون ينتمون للمذهب الشيعي الزيدي المعتدل القريب من المذهب السني عاشوا في وئام تام مع اليمنيين الشوافعة السنة الذين يمثلون الأغلبية لقرون من الزمن ( الشوافع 70 %،
الزيدية 30 %) ثم اقتربوا في الزمن الأخير من المذهب الإثني عشر الإيراني وصاروا أداة لسياسات إيران واستراتيجياتها في المنطقة وأصبح حزب الله هو قدوتهم في التنظيم والتكتيكات السياسية. وكان علي عبد الله صالح يستعملهم كثيرا في لعبة التوازنات التي كان يديرها للبقاء في الحكم، يحاربهم تارة ويقترب منهم تارة، ويُعتبر طرفا أساسيا في بروزهم كقوة فاعلة في اليمن واقترابهم من إيران، وهو الآن متحالف معهم لسحق التجمع اليمني للإصلاح ضمن مسار الثورة المضادة التي تديرها السعودية والإمارات وتشارك فيها بأشكال متعددة إيران وجناح المحافظين الجدد في الولايات الأمريكية المتحدة وإسرائيل.
سُلّح الحوثيون وأعطي لهم الضوء الأخضر للزحف على صنعاء مرورا بالعديد من المدن وأعطيت التعليمات للأجهزة الأمنية والعسكرية الجمهورية لكي لا تتعرض لهم، وسمح لهم بأخذ الأسلحة الثقيلة من الثكنات التي أخليت أمامهم تماما مثل ما وقع مع داعش في قصة أخرى سنتحدث عنها لاحقا كذلك. كان المتوقع من قبل السعوديين والإماراتيين والإيرانيين والأمريكان وإسرائيل أن يتصدى التجمع اليمني للإصلاح للزخف الحوثي باعتبار المخاطر التي يتعرض لها رجاله وقادته ومؤسساته حينما يحكم الحوثيون قبضتهم على المدن وخصوصا صنعاء. كان ذلك مؤامرة خطيرة تحالفت فيها هذه الدول لجر التيار الإسلامي السني المعتدل للمعركة ثم يُدعم الحوثيون بكل الوسائل فيقومون بدحض وسحق الإصلاحيين بل وقبرهم إلى الأبد ثم اتهامهم بالإرهاب لمنعهم كلية من معاودة النهوض. لا شك أن هذه المعركة سيخسر فيها الحوثيون كذلك وينالهم كثير من الضعف وهو عدف تابع ضمن المخطط السعودي الخليجي، ولكن الحوثيين مهما خسروا سيُقبلون من الجميع ليكونوا طرفا في الحكم والمشهد السياسي، وهو أمر لا يقلق إيران كثيرا ما دام يؤدي لإنهاء خصم أيديولوجي مذهبي عنيد وتبقى إمكانية تقوية الحوثيين قائمة وميسورة لتحقيق مصالح إيران في اليمن وفي المنطقة كلها. والحوثيون في كل الأحوال لا يستطيعون حكم اليمن وحدهم بل يراد لهم من قبل الإيرانيين أن يكونوا مثل حزب الله في لبنان يتحكمون في القرار بفعل قوتهم وعلى أساس التوازنات التي يفرضها الواقع.
كاد التجمع اليمني للإصلاح أن يقع في هذا الفخ، ولكنه استدرك بعد ذلك وتفطن للمؤامرة فسحب رجاله من المعركة بعدما اعتقد الجميع بأنه داخلها بفعل التصعيد الإعلامي الذي انتهجه بغرض التمويه عبر وسائله الإعلامية ووسائط الاتصال الاجتماعي. خلافا لتوقعات قادة الثورة المضادة في داخل اليمن وخارجه وجد الحوثويون أنفسهم وحدهم في صنعاء وأعلن الإصلاحيون بأن الجهة المنوط بها الدفاع عن مؤسسات الدولة هي المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية وليس التجمع اليمني للإصلاح، وأن دوره مساعد فقط وأن الحزب هو مؤسسة مدنية لا علاقة لها بالمواجهة المسلحة. أُسقِط في أيدي قادة المؤامرة وبهت الرئيس عبد ربه منصور هادي المتواطئ معهم، ورغم محاولات الحوثيين الاستفزاز بالاعتداء على مقرات التجمع واقتحام بيوت قادته بل والاعتداء على أيقونة الثورة الشعبية اليمنية توكل كرمان لم يحرك الإصلاحيون ساكنا. أدت هذه الحكمة وهذا التعقل وهذا الدهاء الذي انتجه التجمع إلى فضح الحوثيين أمام الشعب اليمني وأربك الرئيس المتواطئ ، ووقع الغرب في حرج شديد حيث افتضحت الخطة وفضحه سكوته عن الحوثيين المعروفين والمعروفة علاقاتهم واعتداءاتهم في مقابل موقفه الصارم مع منظمة داعش غير المعروفة والمشبوهة في تأسيسها وظهورها وصعودها المفاجئ.
أدى هذا الموقف الحكيم من التجمع اليمني للإصلاح إلى تراجع طموح الحوثيين فقبلوا إمضاء الملحق الأمني للاتفاق المبرم مع الرئيس والطبقة السياسية كلها بعد أن رفضوه في غمرة الانتفاش بالنصر الموهوم، وكان التجمع اليمني للإصلاح قد أعلن منذ البداية قبوله وإمضاءه للاتفاق وضمن بهذا التدبير استمرار وجوده وعمله وتأثيره رغم بعض الخسائر التي وقع فيها. وستبقى المعركة مستمرة في اليمن وغيرها من البلدان العربية والإسلامية تتطلب كثيرا من التبصر والحكمة واليقظة والجهد المضني …والله الموفق.

د.عبد الرزاق مقري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *